الخائن في آخر المطاف… ينحني

0

الانتفاضة / نور الدين الناصري

و”ينحي” هنا فعل رباعي شامل، ينحي جسديا أي يتنحى موقفا ، وينزوِي مسجونا ، وينسحب بهدوء، ويختفي من الصورة التي كان يظن أنه بطلها.

وهذا المقال موجه تحديداً إلى فئة نعرفها جميعاً بحرفة لا تبور “تجار المواقف ” ، أولئك الذين يملكون دكاناً متنقلاً للولاءات، ويبيعون ويشترون في المبادئ بالجملة والتقسيط.

تاجر المواقف لا ينام ، هاتفه لا يصمت ، لديه ثلاث نسخ من الخطاب: نسخة للسلطة، ونسخة للمعارضة، ونسخة “الحياد” التي يستعملها عندما تشتد المعركة.

في الصباح يصفق، وفي المساء يصفر ، وفي الليل يوزع مقاطع مسموعة وعميقة عن “القيم” والأخلاق والكبرياء والشهامة ، مشكلته الوحيدة أن الزبائن يتغيرون، والبضاعة واحدة: هو نفسه.

في السياسة يقول لك: “أنا رجل مرحلة” ، والحقيقة أنه رجل كل المراحل، ما دام فيها مصلحة.

في الاقتصاد العادي، من يغش مرة يخسر الزبون ، أما في سوق “تجار المواقف” فالأمر مختلف ، في البداية تربح ، تربح تبجيلا وتصفيقاً، وتربح صوراً ، لكن السوق له ذاكرة ، والناس لهم ذاكرة أطول ، في “آخر المطاف” يحدث ما يلي:

” الذين خنتهم يتذكرون. والذين خنت معهم يخافون منك ”

فتجد نفسك في منتصف الساحة، لا أحد يصافحك، ولا أحد يرد على مكالماتك ، حينها فقط تكتشف أن أغلى شيء بعته بأرخص ثمن كان: المصداقية.
لكل خائن نهاية، ولها بروتوكول معروف:

في المرحلة الأولى يحاول النكران ، ويبدا بالتبرير”أنا لم أغير موقفي، الموقف هو الذي تغير”. “أنا كنت أعمل من الداخل من أجل الإصلاح”.

في المرحلة الثانية يتحول للتنظير ، فتجده
فجأة يتحول إلى مفكر ، يبدأ في إلقاء المحاضرات عن “الواقعية السياسية” و”فن الممكن”، يكتب مقالات عنوانها: “لماذا فشلنا جميعاً”.

في المرحلة الاخيرة سينحي يسدل الستار ، يحذف صوره القديمة، يغير رقم هاتفه، يسافر.
وإذا سألته: “أين كنت؟” يجيب بأسى: “كنت أبحث عن نفسي” ، والحقيقة أنه كان يبحث عن مكان جديد يبيع فيه نفس البضاعة القديمة.

أيها السادة، إن كنتم تعتقدون أن “آخر المطاف” بعيد، فأنتم واهمون.

“آخر المطاف” قد يكون اجتماعاً لا تتم دعوتك إليه. قد يكون هاتفاً لا يرن ، قد يكون منشوراً لا يحصل على إعجاب واحد حتى من أقرب الناس إليك.

الكرسي الذي صعدت عليه بأكتاف الآخرين، سينهار بك في أول اختبار ، والكلمة التي بعتها، ستشتري بها لاحقاً صمتك.

التاريخ لا يعدم أحداً مرتين ، يكفيه أن يضع اسمك في هامش صغير تحت عنوان: “كان موجوداً ثم… نحى”.

لذلك نصيحت الأخيرة لمن عمرنا معهم كثيرا …
: إن لم تستطعو أن تكون أوفياء ، فعلى الأقل كنوا واضحين ، فالوضوح لا يحتاج إلى “فضيحة ” في آخر المطاف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.