بين السؤال البرلماني وانتظارات المواطن… من الوثيقة إلى النتيجة

حوار بين عبد الحي أبو سعد والأستاذ عبد العزيز درويش حول حصيلة الترافع البرلماني

الانتفاضة/ إعداد وحوار: عبد الحي ابو سعد

 

في زمن أصبحت فيه الصورة السياسية أحياناً أسرع انتشاراً من المعلومة، تظل الوثيقة الرسمية أكثر قدرة على تقديم قراءة موضوعية لأداء المنتخبين. فالعمل البرلماني لا يقاس فقط بحجم الحضور في المناسبات أو بعدد المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما بما يقدمه النائب من مبادرات وأسئلة ومداخلات، وبقدرته على نقل انشغالات المواطنين من المجال الترابي إلى المؤسسة التشريعية.
وانطلاقاً من هذه الفكرة، كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ عبد العزيز درويش، حول عدد من القضايا التي حضرت في مساره البرلماني خلال الولاية التشريعية 2021–2026، وحول طبيعة العلاقة بين السؤال البرلماني وانتظارات المواطن، وبين الترافع والنتيجة.
●عبد الحي ابو سعد:
أستاذ عبد العزيز، لنبدأ من السؤال الأساسي: ماذا يعني بالنسبة إليكم أن يكون البرلماني صوتاً لدائرته الانتخابية؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
البرلماني، في تقديري، لا ينبغي أن ينظر إلى نفسه باعتباره ممثلاً لمجرد رقعة جغرافية، وإنما ممثلاً لمواطنين لهم انتظارات ومشاكل وتطلعات، ومن هنا تأتي أهمية الإنصات. فالعديد من القضايا التي أثيرت داخل البرلمان لم تكن مجرد أفكار نظرية، بل انطلقت من انشغالات المواطنين، سواء تعلق الأمر بالتجهيزات الأساسية، أو التعليم، أو الصحة، أو الصناعة التقليدية، أو التعاونيات، أو التنمية المجالية. أنا أؤمن بأن البرلمان يجب أن يكون امتداداً للمجتمع، وأن يتحول صوت المواطن فيه إلى سؤال ومساءلة واقتراح.
●عبد الحي ابو سعد:
من بين الملفات التي لفتت الانتباه قضايا مرتبطة بدواوير تسلطانت، خصوصاً الماء والكهرباء والتطهير والطرق والمرافق الأساسية. لماذا احتلت هذه القضايا موقعاً مهماً في الترافع؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
لأن العدالة المجالية لا يمكن أن تبقى شعاراً.
عندما يعيش مواطن في مجال ترابي ويجد صعوبة في الوصول إلى خدمة أساسية، فإن الأمر يتحول من مشكلة محلية إلى قضية مرتبطة بالحق في التنمية والعيش الكريم.

قضايا الماء والكهرباء والتطهير والطرق ليست ترفاً، وإنما تدخل في صميم شروط الحياة اليومية. والدور البرلماني هنا هو إثارة هذه القضايا أمام القطاعات الحكومية المعنية، وطلب المعطيات، والمطالبة بالحلول، ووضع المسؤول أمام مسؤوليته المؤسساتية.
●عبد الحي ابو سعد:
الصناعة التقليدية حضرت أيضاً في عدد من الملفات. كيف تنظرون إلى هذا القطاع؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
الصناعة التقليدية بالنسبة إلى مراكش ليست مجرد موروث ثقافي. إنها اقتصاد، ومصدر دخل، ومجال للتشغيل، وواجهة من واجهات المدينة، وراء كل منتوج تقليدي هناك صانع وحرفة وأسرة وسلسلة اقتصادية كاملة.
لذلك، فإن دعم الحرفيين ينبغي ألا يقتصر على الحفاظ على التراث، بل يجب أن يشمل تحسين ظروف العمل، والتكوين، والتسويق، ومواجهة ارتفاع تكاليف المواد الأولية، وتطوير القدرة التنافسية.
ومن هنا جاء الاهتمام كذلك بفكرة مجمعات الصناعة التقليدية، باعتبارها فضاءات يمكن أن تجمع بين الإنتاج والتكوين والتسويق والترويج للمنتوج المحلي.
●عبد الحي ابو سعد:
وهل يمكن أن نعتبر التعاونيات جزءاً من هذا التصور الاقتصادي والاجتماعي؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
بالتأكيد. التعاونيات أصبحت إحدى الآليات المهمة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، خصوصاً بالنسبة إلى النساء والشباب وحاملي المشاريع المحلية. لكن التعاونية لا تحتاج فقط إلى التأسيس القانوني، وإنما تحتاج إلى المواكبة والتكوين والتمويل والتسويق.
والتحدي الحقيقي هو كيف ننتقل من تعاونية موجودة على الورق إلى مشروع اقتصادي قادر على الاستمرار وخلق الدخل.
●عبد الحي ابو سعد:
لننتقل إلى التعليم، ظهرت ضمن الملفات المطروحة قضايا الاكتظاظ، والأمن المدرسي، والمناهج والبرامج، ووضعية بعض الأطر التعليمية. ما الذي يعنيه لكم هذا الملف؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
التعليم قضية وطنية بامتياز.
لكن آثار السياسات التعليمية تظهر في النهاية داخل القسم، وفي حياة الأسرة، وفي مستقبل التلميذ.
لذلك، عندما نطرح قضايا مثل الاكتظاظ أو الأمن المدرسي أو وضعية الأطر التعليمية، فإننا لا نتحدث عن ملفات تقنية فقط، بل عن جودة المدرسة العمومية وعن حق الأجيال الجديدة في تعليم جيد وفي بيئة مدرسية آمنة.
●عبد الحي ابو سعد:
هناك أيضاً الترافع في مجال الصحة والثقافة، خصوصاً بالعالم القروي. هل أصبحت التنمية اليوم تتطلب أكثر من البنيات الأساسية؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
بلا شك.
التنمية ليست طريقاً وماءً وكهرباء فقط.
التنمية هي أيضاً صحة وثقافة وتعليم وتكوين وفرص اقتصادية.
ولهذا فإن المطالبة بتعزيز العرض الصحي في العالم القروي، أو إحداث مراكز ثقافية، تدخل ضمن رؤية أوسع للعدالة المجالية.
نحن نريد مواطناً يستفيد من التنمية في مختلف أبعادها، وليس فقط من جزء منها.
●عبد الحي ابو سعد:
دعني أطرح عليك سؤالاً قد يكون أكثر حساسية: هل طرح السؤال البرلماني يعني أن المشكلة قد حُلت؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
لا! وهنا يجب أن نكون صريحين مع المواطنين. السؤال البرلماني هو أداة للرقابة والمساءلة، وليس قراراً تنفيذياً.
عندما أطرح سؤالاً حول الصرف الصحي، فهذا يعني أنني أثير المشكلة وأطالب الحكومة والقطاع المعني بتقديم جواب وحل.
لكن إنجاز المشروع على الأرض يرتبط بجهات وبرامج واعتمادات ومساطر ومراحل تنفيذية.
لذلك يجب ألا نخلط بين المبادرة البرلمانية والنتيجة التنفيذية.
●عبد الحي ابو سعد:
إذن، هل تعتبر أن الترافع البرلماني له ثلاث مراحل: المبادرة، ثم المتابعة، ثم النتيجة؟

●ذ.عبد العزيز درويش:
هذا هو التقييم الأكثر إنصافاً في نظري.
أولاً: هل وصلت القضية إلى البرلمان؟
ثانياً: هل تمت متابعتها ومساءلة الحكومة بشأنها؟
ثالثاً: ماذا تحقق فعلاً على الأرض؟
وإذا أردنا تقييماً أكاديمياً لتجربة أي برلماني، فيجب أن ننظر إلى المستويات الثلاثة مجتمعة.

●عبد الحي ابو سعد:
وهنا أعود إلى الوثيقة الرسمية. ألا تعتقد أن الوثيقة أقوى من الخطاب السياسي؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
بالتأكيد. الوثيقة الرسمية تسمح للباحث والمواطن والصحفي بأن يتحقق من المبادرات والأسئلة والمداخلات.
أنا مع تقييم العمل السياسي بالوثيقة، وليس بالانطباع.
إذا كانت هناك أسئلة أو مبادرات، فلتكن موجودة في السجل البرلماني.
وإذا كانت هناك نتائج، فلتكن لها وثائق ومعطيات يمكن الرجوع إليها.
●عبد الحي ابو سعد:
إذن، هل تقبل أن تُطرح عليك المساءلة التالية: ماذا تحقق من الملفات التي أثيرت، وماذا ما زال في طور المطالبة؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
هذا سؤال مشروع، بل أعتقد أنه يجب أن يطرح على كل منتخب.
فالعمل البرلماني ليس نهاية المطاف.
قد ينجح النائب في إيصال قضية إلى المؤسسة التشريعية، لكن ذلك لا يعني أن القضية انتهت.
المتابعة جزء من المسؤولية السياسية، والنتيجة هي المعيار النهائي.
●عبد الحي ابو سعد:
إذاً، كيف يمكن للمواطن أن يحكم على تجربة برلمانية دون الوقوع في الدعاية أو في النقد المجرد؟
●ذ.عبد العزيز درويش:
بالعودة إلى ثلاثة أشياء:
الوثيقة، ثم المعطى، ثم النتيجة.
لا ينبغي للمواطن أن يحكم على البرلماني من صورة، كما لا ينبغي أن يحكم عليه من خصومة سياسية.
ليقرأ الأسئلة والمبادرات، وليتابع الملفات، وليقارن بين ما طُرح وما تحقق.
هكذا يصبح المواطن شريكاً في تقييم العمل السياسي.
●عبد الحي ابو سعد:
وفي نهاية هذا الحوار، ما الرسالة التي توجهونها إلى المواطن المراكشي؟
● ذ.عبد العزيز درويش:
رسالتي بسيطة:
لا نريد مواطناً يصفق للمنتخب، ولا مواطناً يرفضه لمجرد الاختلاف السياسي.
نريد مواطناً يسأل ويحاسب ويتابع.
فالمنتخب في النهاية مسؤول أمام المواطن، والبرلمان مؤسسة لخدمة المصلحة العامة.
●كلمة عبد الحي ابو سعد
خرجت من هذا الحوار بقناعة أساسية: إن تقييم العمل البرلماني لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال بالأرقام، كما لا ينبغي أن يصبح منصة لتصفية الحسابات السياسية.
لقد أظهرت القضايا التي كانت موضوعاً للترافع، من مشاكل التجهيزات الأساسية بتسلطانت، إلى الصناعة التقليدية والتعاونيات، مروراً بالتعليم والصحة والثقافة والمقاولات الصغرى، أن وظيفة البرلماني تبدأ من الإنصات للمواطن وتحويل انشغاله إلى سؤال مؤسساتي. لكنها لا تنتهي هناك.
فالفرق بين البرلماني الذي يسأل والبرلماني الذي يتابع، وبين الترافع والإنجاز، هو بالضبط المسافة التي ينبغي أن تظل مفتوحة أمام التقييم والمساءلة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
كم سؤالاً طرح البرلماني؟
بل:
كم قضية حملها من الشارع إلى البرلمان؟
ثم السؤال الأهم:
كم قضية عاد بها من البرلمان إلى المواطن في شكل جواب أو التزام أو نتيجة ملموسة؟
تلك هي المسافة الفاصلة بين السياسة باعتبارها خطاباً، والسياسة باعتبارها مسؤولية.
وفي النهاية، تظل قاعدة واحدة صالحة لكل تجربة انتخابية:
الوثيقة أقوى من الصورة، والمعطى أقوى من الانطباع، والنتيجة أقوى من الخطاب، والمواطن أقوى من كل دعاية.

التعليقات مغلقة.