الانتفاضة/ مصطفى شكري
إن كلام العقلاء منزه عن العبث، والحديث عن مغرب_السرعتين ليس سوى محاولة بائسة لاستدراج ضعاف العقول إلى الاعتقاد بوجود مغرب يسير إلى الأمام، ولكن بسرعتين متفاوتتين، مجاليًا واجتماعيًا..!! والحقيقة أن بلدنا توقف عن السير منذ زمن بعيد، بل ازداد الطين بلة، وتحول طريق السير إلى وحل، منذ أن أُسندت مقاليد الإدارة السياسية والمالية إلى أقلية من الأفراد والشركات المسكونة بهواجس الربح السريع والاغتناء غير المشروع.
فتم تهجير قطاعات عريضة من السكان الأصليين نحو مناطق بعيدة تفتقر إلى مقومات العيش الكريم، كما تم الإجهاز على العديد من خدمات المرفق العمومي وخوصصتها، من أجل إنجاح خرافة التمويلات المبتكرة. وفي استغلال مكشوف لأزمة الجفاف، جرى تهجير معظم شباب العالم القروي، ووضع اليد على الأراضي الزراعية والرعوية، لفسح المجال أمام منتجات وضيعات كبار رجال الأعمال التصديرية.. وهلم جرا.
واليوم، تحاول الديناصورات_الانتخابية حلب ما تبقى من مقدرات الوطن باسم الجيل الجديد من أوراش ومشاريع التنمية، تمهيدًا لدخول دين كأس العالم من أوسع الأبواب، وتكريس صورة البلد كمستضيف مثالي للتظاهرات والمهرجانات والمواسم والحفلات والسهرات…
والبداية بالموسم الانتخابي الذي انطلق مبكرًا، تحت شعار توحيد السرعة بين جناح التحكم السياسي وجناح الافتراس الاقتصادي. فبعد أن عبث جناح الصفقات المالية بالقدرة الشرائية لعموم المواطنين، وبالسيادة الغذائية والصحية والطاقية للبلد، سيعود جناح الهندسة السياسية لضبط الشارع ولجم الإعلام البديل، تحت مسميات من قبيل التطهير الرقمي وحماية الأمن المعلوماتي واحترام المعطيات الشخصية، وهلم جرا من العناوين المجمِّلة لمشروع قانون 22.20 الشهير إبان أزمة كورونا.
والأيام بيننا.
وتأتي هذه السطور لتذكير كل متتبع للمشهد السياسي والوطني بالمغرب بأن لقجع وأخنوش وجهان لعملة واحدة، وأن النموذج التنموي المسطر بعناية منذ سنة 2021 ساري المفعول إلى غاية 2035. وأن «تبدال المعالق لا يغير مذاق الحريرة»، وأن حكومة المونديال لن تعيد المغرب إلى سكته الصحيحة، بل ستعمل، وفق هذا الطرح، على حماية وتحصين مكتسبات الأوليغارشيا والأقلية المالية المهيمنة على مختلف القطاعات المدرة للدخل برًا وبحرًا وجوًا، مقابل بيع فرجة ملغومة وجلدة منفوخة بالأوهام للبسطاء من الناس.
لا مجال، بعد اليوم، للمزيد من المقامرة والرهان على نتائج لعبة مغشوشة ظهرت عوراتها للعالمين من خلال هجرات جماعية فاقت خيال الروائيين والسينمائيين عبر التاريخ.
لا مجال، بعد اليوم، لتجديد الثقة في نخبة سياسية باعت الجمل بما حمل، وأغرقت البلاد في ديون لا قِبَل لساكنة المغرب بسداد فوائدها إلى يوم الدين.
ولا مجال للحديث مجددًا عن الأوراش الكبرى، إلا بعد وضع حصيلة هذه الحكومة وما قبلها تحت المجهر، وتقديم الحساب في جلسات علنية تذاع عبر أمواج الإذاعة والتلفزيون، وتنشر تفاصيلها على مختلف المواقع الإعلامية، وعلى نفقة المدبرين للشأن العام طيلة العقد المنصرم، وتحديدًا منذ حادث طحن محسن فكري…
واللبيب بالإشارة يفهم، وللحديث صلة.
