الانتفاضة / ابراهيم السروت
يعيش إقليم الحوز منذ فترة على وقع حالة من الجدل والنقاش حول تدبير مرحلة ما بعد الزلزال من جهة، وأداء الحكومة والمنتخبين ومدى استجابتهم لانتظارات المواطنين من جهة أخرى. ففي الوقت الذي ما يزال فيه عدد من السكان يطرحون أسئلة وشكاوى حول السكن والبنية التحتية والخدمات والتنمية، يسجل عدد من المواطنين ملاحظاتهم بشأن مظاهر متناقضة، تخللت الزيارات التواصلية الحزبية التي عرفتها مناطق بالحوز، والتي تمثلت في: حسن الاستقبال، إشادات بجهود المنتخبين، شكر، وترحيب حارّ بالمسؤولين والمنتخبين، احتفال بأهازيج شعبية، تدافع لالتقاط الصور و …
وهنا يطرح السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: أين يكمن الخلل؟ أ في المواطنين والمقيمين بإقليم الحوز، أم في طريقة عمل السياسيين والمنتخبين، أم في آلية التواصل بين الطرفين، ام أشياء أخرى لا ندركها لنفهمها؟
لكنّ ما ندركه جيدا هو أن منطق التفكير يقول: لا يمكن اختزال واقع الحوز في لحظة استقبال لمسؤول سياسي أو في صور اللقاءات والتصريحات، فالمواطن يريد أن يرى نتائج ملموسة على أرض الواقع: طرقاً جيدة، مرافق صحية وتعليمية، فرصاً اقتصادية، تسريعاً في وتيرة إعادة الإعمار، وتحسّنا حقيقياً لظروف العيش.
وفي المقابل، من حق الحكومة والمنتخبين أن يشرحوا للرأي العام ما تحقق، وما تعذّر، وما هي أسباب التأخير والتّخلّف عن الإنجازإن وُجدت، بالرغم من أن فترة خمس سنوات، تعتبر بالجد كافية لاحداث نسبة هامة من التغيير إن لم يكن شاملا، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرى ودواوير وجماعات صغيرة، تعدّ متطلباتها بسيطة الانشاء والتحقيق على أرض الواقع مقارنة بواقع المدن.
إنّ المطلوب من المواطنين حقيقة وهو أمر واضح، لهو الانتقال من لغة المجاملات والتصفيق إلى لغة الأرقام والإنجازات والمساءلة والمحاسبة، لكي يستعيدوا سلطتهم الانتخابية التي فقدت قوتها عقب الانصياع وراء الخطابات الواهية التي ترقص لها الأكفف تصفيقا، عوض الاستوقاف والاستفسار والتدقيق فيما تحمله من وعود سياسية.
فعندما نجد المواطن يشتكي في المجالس والأسواق ووسائل التواصل الاجتماعي وعبر الوقفات الإحتجاجية والمنابر الإعلامية كلما ضاق به الحال، ثم نجد في الزيارات الرسمية استقبالاً حافلاً وشكراً وإشادة بالمسؤولين، فمن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: هل هناك فجوة بين ما يشتكيه المواطن في معيشه اليومي وما يقدمه السياسيون من صورة عن الواقع ؟
إنّ الإشكالية لا تتمثل في استقبال رئيس الحكومة أو أي مسؤول آخر، فاستقبال المسؤولين واجب سياسي وأخلاقي قبل كلذ شيئ، كما أن شكر من يقوم بعمل إيجابي أمر طبيعي، بل إنّ الخلل يبدأ عندما تتحول الزيارات إلى مناسبة للتصريحات والإشادات فقط، دون نقاش صريح حول الملفات التي تؤرّق الساكنة.
الحوز يحتاج اليوم إلى مصارحة حقيقية، فالمواطن يريد أن يعرف أين وصلت المشاريع السكنية والتنموية، وما هي آجال إنجازها، ومن يتحمل المسؤولية عن أي تأخير، وما هي الأولويات المقبلة، وما مدى استجابتها لماطلب الساكنة التي سئمت الأنتظار وسط الظروف المزرية لدى بعضها، كما أن المنتخبين مطالبون بأن يكونوا صوت المواطنين أمام الحكومة، لا أن يكتفوا بدور الاستقبال والتصريحات.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل المواطن مع الحكومة أم ضدها؟ بل السؤال الحقيقي هو: ماذا تحقق للمواطن؟ وما الذي بقي عالقاً؟ ومن المسؤول عن معالجة الاختلالات؟
الحوز ليس مجرد منطقة تستقبل المسؤولين خلال الزيارات الرسمية؛ إنه إقليم له سكان وقرى ودوائر انتخابية وحقوق وانتظارات، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مسؤولين يسمعون المواطن كما يسمعون المسؤول، وإلى إعلام مهني ينقل الصورة كما هي، بعيداً عن التطبيل أو التهجم.
إن الخلل، إن وُجد، لا ينبغي أن نبحث عنه في المواطن وحده ولا في السياسي وحده، وإنما في منظومة التواصل والتدبير والتنفيذ والمراقبة، كما أنّ الحل يبدأ بالمصارحة، ثم تحديد المسؤوليات، وترتيب الجزاءات غن لزم الأمر، هذا إن كانت غايتها الحقيقية خدمة المواطن وتحقيق الصالح العام.