خروقات تعميرية وشكايات بلا جواب… من يحمي المخالفين بإقليم الحوز؟

الانتفاضة

ليست القضية مجرد نوافذ فُتحت في اتجاه أرض مجاورة كما قد يعتقد البعض للوهلة الأولى، بل هي، بحسب الوثائق المتوفرة، ملف يختزل معاناة مواطن يقول إنه استنفد كل السبل القانونية والإدارية دون أن يرى أثرا لإجراء يعيد إليه حقه في الانتفاع بملكه، أو يضع حدا لما يعتبره ضررا مستمرا يزداد تعقيدا يوما بعد آخر.

(ح.أ)، وهو مالك قطعة أرض موروثة عن والده بدوار العزيب جماعة ويركان بإقليم الحوز، يؤكد أنه طرق أبواب مختلف الإدارات والسلطات المختصة، ووجه شكايات ومراسلات إلى الجهات المعنية، غير أن النتيجة بقيت واحدة: لا تغيير على أرض الواقع، بينما استمرت الأشغال، واستمر معها الضرر الذي يقول إنه يطارده كلما حاول استغلال أرضه أو التفكير في بيعها أو البناء فوقها.

الأمر، وفق الوثائق التي اطلعت عليها الجريدة، تجاوز مجرد خلاف بين جارين، بعدما انتدبت المحكمة الابتدائية بمراكش خبيرا قضائيا لإنجاز معاينة ميدانية، حيث تضمن تقرير الخبرة، المؤرخ في 14 يوليوز 2026، معطيات تفصيلية حول البناية موضوع النزاع، من بينها وجود طابق تحت أرضي وطابق أرضي وطابق علوي وسطح، مع تسجيل خمس نوافذ وشرفتين مفتوحتين في اتجاه عقار المدعي، وهي فتحات يفيد المشتكي أنها تلحق به ضررا مباشرا وتمسّ بحقه في الانتفاع بملكه.الخبير أورد كذلك، ضمن ما سجله في تقريره، أن المسافة الفاصلة بين البناية والعقار المجاور تبلغ حوالي مترين وثلاثين سنتيمترا من الجهة الأمامية، مع الإشارة إلى أن البناء غير ملاصق للعقار وإنما قريب منه، كما وثق وجود فتحات تسمح، بحسب المعاينة، بالإطلالة على العقار المجاور.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يشير تقرير الخبرة إلى أن المدعى عليها أدلت برخصة لإعادة بناء منزل متضرر من زلزال الحوز، غير أن الخبير سجل، ضمن ملاحظاته، وجود اختلافات بين الوثائق المقدمة والبناية القائمة، من بينها أن التصميم المعماري المدلى به يتضمن عبارة “غير قابل للتغيير”، وأن قرار الرخصة لا يتضمن اسم القطعة التي شُيد فوقها البناء، وإنما يكتفي بالإشارة إلى عنوان عام يتعلق بدوار العزيب بجماعة ويركان، وهي معطيات تبقى بطبيعة الحال، ضمن عناصر الملف المعروض على القضاء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم والذي لانجد محيدة عنه هو: إذا كانت هذه الوقائع موثقة في مراسلات وشكايات ومحضر خبرة قضائية، فلماذا لا يزال صاحب الأرض يؤكد أنه لم يلمس أي أثر لإجراء يرفع عنه الضرر الذي يقول إنه يتفاقم مع مرور الوقت؟

كيف يعقل أن يجد مواطن نفسه عاجزا عن بيع أرض ورثها عن والده لأن كل من يعاينها يلاحظ فتحات مطلة عليها فيتراجع عن الشراء؟ وكيف يمكنه أن يبني مستقبلا فوق أرضه وهو يعلم أن خصوصيته ستبقى مكشوفة؟ أليس هذا ضررا حقيقيا يستحق تدخلا يحسم الوضع ويضع حدا لاستضراره؟الأكثر إثارة للاستغراب، بحسب رواية المشتكي، أن ما يعتبره مخالفات ما زالت قائمة رغم تعدد الشكايات والمراسلات، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة تهمّ مآل مراسلات المواطنين المتضررين، التي تعد الوسيلة الوحيدة التي يلجؤون إليها التماساً رفع الضرر بشكل فوري.

ولا يتعلق الأمر، في نظر المتضرر، بقضيته الشخصية فقط، بل بمبدأ أوسع يرتبط بثقة المواطنين في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، فحين يشعر مواطن بأنه استنفد كل الوسائل القانونية، ولجأ إلى السلطات والإدارة والقضاء، ثم لا يزال يعتقد أن الضرر مستمر، فإن ذلك يطرح علامات استفهام تستحق أجوبة واضحة من الجهات المختصة.

ولم يلجأ المشتكي (ح.أ) إلى إثارة الملف إعلامياً منذ البداية، بل اختار سلوك المساطر القانونية والإدارية كاملة، حيث وجّه شكاية إلى عامل إقليم الحوز، قبل أن يعقبها بشكاية تذكيرية في غياب توصله بأي جواب أو إجراء عملي، كما راسل قائد قيادة ويركان، وتلقى رداً دون أن ينعكس ذلك على أرض الواقع،

ولذات الغاية، ووجّه مراسلات إلى رئيس الجماعة والمصالح المختصة بالتعمير، مع إشعار السلطات المحلية وأعوان السلطة بما يجري، غير أن الأشغال، وفق الوثائق المتوفرة، استمرت دون أن تُتّخذ الإجراءات التي كان ينتظرها.ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ انتقل إلى قسم التعمير بعمالة الحوز لتتبع مآل شكاياته، غير أنه يؤكد أنه لم يلمس أي تفاعل جدي أو تفعيل للمساطر القانونية الكفيلة بوقف ما يعتبره خروقات مستمرة، وهو ما دفعه، بعد استنفاد مختلف السبل، إلى المطالبة بفتح تحقيق إداري للوقوف على أسباب هذا التعاطي، وتحديد ما إذا كانت هناك خروقات أو جهات محتملة تحمي المشتكى عليها.

إن (ح.أ) لا يطالب، بحسب تصريحاته، سوى بتطبيق القانون، وتنفيذ ما يفرضه احترام ضوابط التعمير وحقوق الجوار، وفتح تحقيق إداري في أسباب عدم التفاعل مع الشكايات التي سبق أن تقدم بها، مع ترتيب المسؤوليات إذا ثبت وجود أي تقصير أو تهاون.

ويبقى السؤال الذي ينتظر الرأي العام المحلي إجابته: إلى متى سيظل هذا الملف معلقا؟ ومن سيتدخل لوضع حد لوضعية يقول صاحبها إنها حرمته من حقه في بيع أرضه أو البناء فوقها أو حتى التمتع بها في ظروف طبيعية؟

فالرهان اليوم لا يتعلق فقط بإنصاف شخص واحد، وإنما بترسيخ مبدأ بسيط وواضح: لا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، ولا ينبغي لأي مواطن أن يشعر بأن حقوقه تضيع بين المراسلات والانتظار.

التعليقات مغلقة.