السرطان في مواجهة عالم متغير.. عوامل الخطر تهدد بتفاقم الإصابات خلال العقود المقبلة

0

الانتفاضة

أثار التحذير الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية في 8 يوليوز المنصرم مخاوف واسعة بشأن المسار الذي تتجه إليه معدلات الإصابة بالسرطان عالميا، بعدما دعت إلى تحرك عاجل للحد من عوامل الخطر وتعزيز الوقاية والكشف المبكر والعلاج، في ظل توقعات بارتفاع كبير في أعداد الحالات الجديدة خلال العقود المقبلة.
وتشير المعطيات التي أوردتها المنظمة إلى أن السرطان يودي بحياة نحو 26 ألف شخص يوميا حول العالم، أي ما يقارب 10 ملايين وفاة سنويا، وهو ما يجعل المرض واحدا من أكبر التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات والأنظمة الصحية، ليس فقط بسبب آثاره المباشرة على المرضى، وإنما أيضا بسبب انعكاساته النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الأسر والدول.
وحسب التوقعات، قد يقترب عدد حالات السرطان الجديدة من 35 مليون حالة سنويا بحلول عام 2050، إذا لم تتخذ إجراءات أكثر فعالية للحد من عوامل الخطر والوقاية من المرض، إلى جانب تحسين إمكانات التشخيص والعلاج.

أرقام تنذر بأزمة صحية عالمية

لا تكشف أرقام الإصابات والوفيات عن حجم الأزمة فحسب، بل تعكس أيضا التحول الكبير الذي يشهده المشهد الصحي العالمي. فارتفاع متوسط العمر المتوقع، والنمو السكاني، إلى جانب انتشار بعض عوامل الخطر المرتبطة بأنماط الحياة، كلها عوامل تجعل السرطان مرشحا لمواصلة التوسع خلال السنوات والعقود المقبلة.
ويفرض هذا الوضع على الحكومات إعادة النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع المرض، إذ لم يعد التركيز على العلاج بعد ظهور السرطان كافيا، بل باتت الوقاية وتقليص عوامل الخطر والكشف المبكر عناصر أساسية في أي استراتيجية صحية فعالة.
فالاستثمار في المستشفيات والأدوية والتقنيات الحديثة يظل ضروريا، لكنه لا ينبغي أن يأتي على حساب الاستثمار في الوقاية، لأن تجنب بعض عوامل الخطر يمكن أن يقلل من عدد الحالات التي تحتاج لاحقا إلى علاجات مكلفة ومعقدة.

لماذا ترتفع معدلات الإصابة بالسرطان؟

لا توجد إجابة واحدة تفسر الارتفاع المتوقع في أعداد المصابين بالسرطان، فالمرض يرتبط بمجموعة معقدة من العوامل، بعضها لا يمكن التحكم فيه، مثل التقدم في العمر والعوامل الوراثية، وبعضها الآخر يرتبط بنمط الحياة والبيئة ويمكن الحد منه.
ويبرز التدخين والسمنة وقلة النشاط البدني وسوء التغذية والتعرض لبعض الملوثات، إلى جانب بعض الأمراض المزمنة، ضمن العوامل التي تستدعي اهتماما متزايدا.
ولا يعني وجود أحد هذه العوامل أن الشخص سيصاب حتما بالسرطان، كما أن تجنبها لا يوفر حماية مطلقة، لكن تقليل التعرض لعوامل الخطر يمكن أن يسهم في خفض احتمالات الإصابة وتحسين الصحة العامة.

التدخين.. أحد أخطر عوامل الخطر

يظل التدخين في مقدمة العوامل القابلة للوقاية المرتبطة بالسرطان، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التبغ يتسبب في ملايين الوفيات سنويا، فيما يتجاوز عدد مستخدميه مليار شخص حول العالم.
وتكمن خطورة التدخين في احتوائه على مئات المواد الكيميائية، بينها مواد يمكن أن تؤدي إلى أضرار خلوية وجينية، ومع استمرار التعرض لها يمكن أن تتراكم التغيرات التي ترفع خطر الإصابة بعدد من أنواع السرطان.
ويأتي سرطان الرئة في مقدمة السرطانات المرتبطة بالتدخين، لكن تأثير التبغ لا يقتصر على الرئتين، إذ ارتبط التدخين أيضا بعدد من السرطانات التي تصيب أعضاء مختلفة من الجسم.
وتزداد خطورة الظاهرة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث يعيش الجزء الأكبر من مستخدمي التبغ، وحيث يمكن أن تكون الأنظمة الصحية أقل قدرة على تحمل التكاليف المرتفعة لعلاج الأمراض المرتبطة بالتدخين.

كيف يساهم التدخين في ظهور السرطان؟

لا يعمل التدخين من خلال آلية واحدة، وإنما عبر مجموعة من التأثيرات البيولوجية المتداخلة. فالمواد الموجودة في دخان التبغ يمكن أن تلحق أضرارا بالمادة الوراثية للخلايا، كما يمكن أن تؤدي إلى التهابات مزمنة داخل الجسم.
ومع استمرار الالتهاب، قد تحدث تغيرات في البيئة المحيطة بالخلايا، إلى جانب ارتفاع إنتاج بعض الجزيئات التي يمكن أن تسبب أضرارا إضافية للخلايا والأنسجة.
وبمرور الوقت، يمكن أن تساهم هذه التغيرات في توفير ظروف تساعد على ظهور خلايا غير طبيعية ونموها، وهو ما يفسر جزءا من العلاقة الوثيقة بين التدخين والسرطان.

السجائر الإلكترونية.. هل تمثل بديلا آمنا؟

مع انتشار السجائر الإلكترونية، ظهر اعتقاد لدى بعض المستخدمين بأنها تمثل بديلا أقل خطرا بشكل مطلق عن السجائر التقليدية، غير أن الأدلة العلمية لا تسمح باعتبارها خالية من المخاطر.
وفي عام 2026، أجرى باحثون من كوريا الجنوبية دراسة واسعة شملت أكثر من 4.5 ملايين شخص بالغ من المدخنين التقليديين، وتابعت حالتهم الصحية لعدة سنوات.
وأشارت نتائج الدراسة إلى ارتفاع خطر الإصابة بسرطان الرئة لدى بعض الأشخاص الذين انتقلوا من السجائر التقليدية إلى السجائر الإلكترونية مقارنة بمن أقلعوا عن التدخين نهائيا.
وتأتي هذه النتائج في سياق عالمي يشهد ارتفاعا في استخدام السجائر الإلكترونية، بعدما أشارت منظمة الصحة العالمية في أكتوبر 2025 إلى أن أكثر من 100 مليون شخص يستخدمون هذه المنتجات حول العالم.
وتبرز أهمية هذه المعطيات في ضرورة عدم التعامل مع السجائر الإلكترونية باعتبارها خيارا صحيا خاليا من المخاطر، خصوصا بالنسبة لغير المدخنين وصغار السن.

التدخين لا يهدد الرئة وحدها

على الرغم من أن العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة أصبحت راسخة علميا، فإن الدراسات الحديثة كشفت عن ارتباط التدخين بأنواع أخرى من السرطان.
ومن بين هذه الأنواع سرطان الثدي، إذ بحثت دراسات عدة في العلاقة بين التدخين المباشر والتعرض للتدخين السلبي وخطر الإصابة لدى النساء.
وأظهرت بعض النتائج وجود ارتباط بين التدخين وارتفاع خطر الإصابة، خصوصا لدى من يستمررن في التدخين لفترات طويلة، ما يؤكد أن أضرار التبغ تتجاوز الجهاز التنفسي لتشمل أجزاء مختلفة من الجسم.

السمنة.. عامل خطر يتجاوز أمراض القلب والسكري

تمثل السمنة إحدى أبرز المشكلات الصحية المتنامية عالميا، بعدما تجاوز عدد الأشخاص الذين يعانونها مليار شخص في عام 2022، وسط توقعات باستمرار ارتفاع العدد خلال السنوات المقبلة.
ولم تعد السمنة مرتبطة فقط بأمراض القلب والسكري واضطرابات الأيض، بل أصبحت موضع اهتمام متزايد في أبحاث السرطان، بسبب وجود ارتباط بينها وبين عدد من أنواع الأورام.
وتشير تقديرات إلى أن زيادة الوزن والسمنة قد ترتبط بنسبة من حالات السرطان، مع وجود تفاوت بين أنواع السرطان والفئات السكانية.
وقد ربطت دراسات السمنة بارتفاع خطر الإصابة بسرطانات القولون والمستقيم والمعدة والرحم والبنكرياس والمبيض، إضافة إلى أنواع أخرى.

لماذا ترتبط السمنة بالسرطان؟

العلاقة بين السمنة والسرطان معقدة، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد. فالأنسجة الدهنية ليست مجرد مخزن للطاقة، بل تقوم بإفراز مجموعة من الهرمونات والجزيئات التي يمكن أن تؤثر في عمليات مختلفة داخل الجسم.
كما قد يؤدي تراكم الدهون الحشوية حول الأعضاء الداخلية إلى تعزيز الالتهاب المزمن، إضافة إلى تغيرات مرتبطة بالإنسولين والهرمونات وعوامل النمو.
وقد تخلق هذه الظروف بيئة تساعد في بعض الحالات على نمو الخلايا غير الطبيعية وتطور الأورام، وهو ما يفسر اهتمام الباحثين المتزايد بالعلاقة بين السمنة والسرطان.

خطر لا ينتهي بعد علاج السرطان

لا يقتصر تأثير السمنة على احتمال الإصابة بالسرطان، إذ تشير بعض الدراسات إلى ارتباطها أيضا بارتفاع احتمال عودة المرض بعد العلاج في بعض الحالات.
ويرتبط ذلك بمجموعة من العوامل البيولوجية والاستقلابية والالتهابية، فضلا عن تأثير الوزن الزائد في الحالة الصحية العامة للمريض وقدرته على تحمل بعض العلاجات.
وهذا يجعل الوقاية من السمنة والحفاظ على نمط حياة صحي جزءا من المقاربة الشاملة لمواجهة السرطان، وليس مجرد وسيلة للوقاية من أمراض القلب والسكري.

الأمراض المزمنة.. حلقة أخرى في سلسلة الخطر

غالبا ما يتركز النقاش حول السرطان على التدخين والسمنة والعوامل الوراثية، بينما تحظى الأمراض المزمنة باهتمام أقل، رغم وجود صلات مهمة بينها وبين مخاطر الإصابة بالسرطان أو تأخر اكتشافه.
وأظهرت دراسة نشرت في المجلة الطبية البريطانية عام 2018 أن مجموعة من الأمراض المزمنة، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وأمراض الكلى والرئة، يمكن أن ترتبط بزيادة العبء المرتبط بالسرطان والوفيات الناجمة عنه.
وتزداد أهمية هذه العلاقة في ظل انتشار الأمراض المزمنة على نطاق واسع، إذ أصبح عدد متزايد من الأشخاص يعيشون لسنوات طويلة مع أكثر من مرض في الوقت نفسه.

الأمراض المزمنة قد تؤخر اكتشاف السرطان

تكمن إحدى المشكلات في أن بعض أعراض السرطان يمكن أن تتشابه مع أعراض أمراض مزمنة موجودة مسبقا لدى المريض.
وقد يؤدي ذلك إلى تفسير الأعراض على أنها جزء من المرض المعروف، سواء من جانب المريض أو الطبيب، مما قد يؤخر إجراء الفحوص اللازمة للكشف عن السرطان.
ويكتسب الكشف المبكر هنا أهمية استثنائية، لأن اكتشاف الأورام في مراحل مبكرة يمكن أن يحسن فرص العلاج بالنسبة إلى العديد من أنواع السرطان.

قلة الحركة وسوء التغذية.. نمط حياة يحتاج إلى مراجعة

لا يمكن فصل ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والسمنة عن التحولات التي طرأت على أنماط الحياة الحديثة، بما في ذلك انخفاض النشاط البدني وتغير العادات الغذائية.
وتؤثر قلة الحركة في الصحة العامة بطرق متعددة، كما يرتبط النظام الغذائي غير المتوازن بمجموعة من عوامل الخطر التي يمكن أن تؤثر في الصحة على المدى الطويل.
ولهذا أصبحت الوقاية من السرطان مرتبطة أيضا بتشجيع النشاط البدني المنتظم واعتماد نظام غذائي متوازن والحد من السلوكيات التي ترفع المخاطر الصحية.

التلوث والعوامل البيئية ضمن دائرة الاهتمام

إلى جانب عوامل نمط الحياة، تبرز العوامل البيئية باعتبارها جزءا من الصورة الأوسع للسرطان. فالتعرض لبعض المواد والملوثات يمكن أن يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان.
وتختلف هذه المخاطر حسب نوع المادة ومدة التعرض ومستواه والظروف الصحية للفرد، وهو ما يجعل حماية السكان من الملوثات والمواد الخطرة جزءا من مسؤولية السياسات الصحية والبيئية.
وتحتاج الدول إلى تعزيز الرقابة على مصادر التلوث، وتحسين جودة الهواء والماء والبيئة المهنية، وتقليل تعرض السكان للعوامل التي ثبت ارتباطها بأضرار صحية طويلة الأمد.

الشيخوخة وتغير التركيبة السكانية

من العوامل التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تفسير ارتفاع أعداد حالات السرطان التغير الديموغرافي العالمي.
فاحتمال الإصابة بالعديد من أنواع السرطان يرتفع مع التقدم في العمر، ومع زيادة متوسط العمر المتوقع وارتفاع عدد كبار السن، من الطبيعي أن يرتفع عدد الحالات المسجلة حتى في حال عدم تغير بعض معدلات الخطر الأخرى.
وهذا يعني أن التوقعات المستقبلية لا تعكس فقط انتشار عوامل الخطر، وإنما تعكس أيضا التحولات السكانية التي يشهدها العالم.

الكشف المبكر.. فرصة لإنقاذ الأرواح

إذا كانت الوقاية تمثل خط الدفاع الأول، فإن الكشف المبكر يمثل خط الدفاع الثاني في مواجهة السرطان.
فكلما اكتشف المرض في مرحلة مبكرة، كانت فرص العلاج والسيطرة عليه أفضل بالنسبة إلى العديد من أنواع السرطان، بينما قد تصبح الخيارات العلاجية أكثر تعقيدا عندما يصل المرض إلى مراحل متقدمة.
ولهذا تحتاج الأنظمة الصحية إلى توفير برامج فعالة للكشف المبكر، مع ضمان وصولها إلى مختلف الفئات الاجتماعية والمناطق، وعدم اقتصار الخدمات الصحية المتقدمة على المدن والمراكز الكبرى.

العلاج وحده لا يكفي

أدى التقدم العلمي إلى تطوير علاجات أكثر دقة وفعالية لعدد متزايد من أنواع السرطان، بما في ذلك العلاجات الموجهة والعلاجات المناعية وتقنيات التشخيص المتقدمة.
لكن ارتفاع عدد الحالات يضع ضغطا متزايدا على الأنظمة الصحية، سواء من حيث الموارد البشرية أو التجهيزات أو الأدوية أو تكلفة العلاج والمتابعة.
ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين الاستثمار في العلاج والاستثمار في الوقاية، لأن النظام الصحي الذي يركز فقط على علاج الحالات بعد ظهورها سيواجه أعدادا متزايدة من المرضى في المستقبل.

نحو استراتيجية عالمية للوقاية

تحتاج مواجهة السرطان إلى مقاربة متعددة المستويات تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند المؤسسات الصحية.
فعلى مستوى السياسات العامة، تبرز أهمية مكافحة التدخين، والحد من التعرض للملوثات، وتعزيز النشاط البدني، وتحسين جودة الغذاء، وتشجيع الكشف المبكر.
وعلى مستوى الأنظمة الصحية، تبرز الحاجة إلى توسيع برامج الفحص والتشخيص، وتوفير العلاج في الوقت المناسب، وتقوية خدمات الرعاية والمتابعة.
أما على مستوى الأفراد، فإن تبني نمط حياة أكثر صحة، والابتعاد عن التبغ، والحفاظ على النشاط البدني، والالتزام بالفحوص الطبية المناسبة، يمكن أن يسهم في تقليل عدد من عوامل الخطر.

2050.. هل يمكن تفادي السيناريو الأسوأ؟

يشكل الرقم المتوقع لعام 2050، والمتمثل في نحو 35 مليون حالة سرطان جديدة سنويا، إنذارا مبكرا أكثر منه حكما نهائيا على المستقبل.
فالأرقام المستقبلية تتأثر بالسياسات التي ستعتمدها الدول وبقدرتها على الوقاية وتقليل عوامل الخطر وتحسين الرعاية الصحية.
وبالتالي، فإن الوصول إلى هذا المستوى من الإصابات ليس قدرا محتوما، بل يمكن الحد من جزء من الزيادة المتوقعة من خلال سياسات صحية فعالة واستثمارات مستدامة في الوقاية والكشف المبكر والعلاج.
وفي النهاية، فإن مواجهة السرطان لا يمكن أن تعتمد على المستشفيات والأدوية وحدها، بل تحتاج إلى تغيير أوسع في طريقة التعامل مع الصحة العامة. فمكافحة التدخين، والحد من السمنة، وتشجيع الحركة، وتحسين التغذية، ومواجهة التلوث، والكشف المبكر عن الأمراض، كلها حلقات مترابطة في استراتيجية واحدة.
ومع استمرار ارتفاع عدد السكان وتقدمهم في العمر وتغير أنماط الحياة، سيكون التحدي الأكبر أمام الحكومات خلال العقود المقبلة هو منع الزيادة المتوقعة من التحول إلى أزمة صحية مزمنة، عبر الانتقال من منطق علاج المرض بعد ظهوره إلى بناء منظومة تضع الوقاية وتقليل المخاطر في مقدمة الأولويات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.