الانتفاضة/ محمد جرو
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي فضاء مفتوحا لتدفق غير مسبوق للمعلومات والمعطيات، بات من الصعب أحيانا التمييز بين ما هو مفيد وما هو مجرد محتوى عابر يبحث عن «الترند» و«البوز». وبينما تحظى بعض مظاهر التفاهة باهتمام واسع، تواصل العديد من الكفاءات المغربية أداء رسالتها في صمت، بعيدا عن الضجيج، واضعة المعرفة والتوعية في مقدمة اهتماماتها.
وتبرز الدكتورة منية حدادي بنحماد، الأستاذة الباحثة في علم الأعصاب، ضمن الأسماء التي اختارت مسارا مختلفا، من خلال توظيف حضورها الرقمي للتواصل مع المواطنين والمتابعين عبر قناتها على يوتيوب ومختلف وسائط الاتصال، مقدمة محتوى يجمع بين المعرفة العلمية والتفاعل مع قضايا المجتمع اليومية.
وتتميز تجربتها بمحاولة تبسيط مواضيع ذات صلة بالصحة والنفس والسلوك الإنساني، إلى جانب قضايا اجتماعية وتربوية تحتاج إلى كثير من التروي وحسن الإصغاء وفن الإنصات، بعيدا عن الأحكام السريعة التي أصبحت تميز جزءا من النقاشات على مواقع التواصل.
وفي هذا السياق، صدر حديثا كتابها «BE A LION THEN B’EAT ME!»، الذي يقدم رؤية علمية لفهم التعلم والسلوك الإنساني، من خلال الربط بين علم الأعصاب وعلم النفس والتربية. ويتناول الكتاب اختلاف أنماط التعلم تبعا لخصائص الشخصية، وتأثير العوامل النفسية والانفعالية في التحصيل والدافعية واتخاذ القرار، مع تصنيف للمتعلمين وفق أنماط شخصياتهم، والاستفادة من نماذج لشخصيات عالمية لفهم عوامل النجاح وأساليب التعلم.

ولا تقتصر مساهمة الدكتورة منية حدادي بنحماد على المجال الأكاديمي، بل تمتد إلى تقديم إرشادات عملية للمتابعين. فقد تناولت، على سبيل المثال، موجات الحر «الكانيكول»، موجهة إلى ضرورة الإكثار من شرب الماء، وتجنب التعرض المباشر للشمس خلال ساعات الذروة، والاهتمام بالأطفال وكبار السن.
كما سلطت الضوء على أهمية حماية العينين من الأشعة فوق البنفسجية، خاصة قرب المسابح، وتطرقت إلى الفوائد النفسية المحتملة لقضاء وقت هادئ قرب البحر، مع التشديد على ضرورة اختيار أماكن آمنة وتجنب السباحة ليلا في الأماكن غير المخصصة لذلك.
وفي حديثها عن الجلد الصحي، أوضحت أن سلامة البشرة لا تعني خلوها التام من العيوب، وإنما قدرتها على أداء وظائفها الطبيعية، داعية إلى التغذية المتوازنة، وشرب الماء، والنوم الجيد، والنشاط البدني، والحماية من أشعة الشمس.
إن تجربة الدكتورة منية حدادي بنحماد تطرح نموذجا مختلفا للحضور في الفضاء الرقمي: معرفة بدل الضجيج، توعية بدل التفاهة، ورسالة إنسانية تتوجه إلى المجتمع بلغة هادئة وموضوعية. وفي زمن «البوز»، تبقى الكفاءة الحقيقية قادرة على فرض حضورها حين تختار أن تخاطب العقل قبل أن تبحث عن الأضواء.
التعليقات مغلقة.