الانتفاضة / مهدي الكريمي
لم تعد التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم مجرد تغييرات ظرفية فرضتها الأزمات الدولية، بل باتت مؤشرات على إعادة تشكيل النظام الأمني العالمي، في ظل تراجع قدرة الولايات المتحدة على الاضطلاع بالدور الذي احتفظت به لعقود باعتبارها الضامن الأول لأمن حلفائها. وبينما تنشغل واشنطن بأزمات الشرق الأوسط، وعلى رأسها المواجهة مع إيران، تتحرك دول آسيا بوتيرة متسارعة لبناء منظومة أمنية أكثر استقلالية، في وقت لا تزال فيه أوروبا تحاول التكيف مع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على مبدأ “أمريكا أولاً”.
وتشير تقارير وتحليلات دولية إلى أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ دخلت مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى، بعدما كثفت الصين تحركاتها العسكرية في محيط تايوان، ووسعت أنشطتها البحرية، إلى جانب تطوير قدراتها النووية عبر اختبار صاروخ باليستي يُطلق من غواصة، في رسالة تؤكد سعي بكين إلى تعزيز نفوذها الإقليمي ومنافسة الولايات المتحدة على قيادة المنطقة.
وفي المقابل، لم تنتظر القوى الآسيوية رد الفعل الأمريكي، بل بدأت في تعزيز تعاونها الدفاعي بشكل غير مسبوق. فقد وسعت اليابان شراكاتها العسكرية مع أستراليا والهند والفلبين، وخففت القيود المفروضة على صادراتها الدفاعية، فيما أبرمت أستراليا اتفاقيات أمنية جديدة مع عدد من دول المحيط الهادئ، في خطوات تعكس توجهاً نحو بناء شبكة أمنية إقليمية أقل اعتماداً على واشنطن.
وترى المحللة العسكرية جينيفر كافاناه أن الحرب على إيران كشفت حدود القوة الأمريكية، بعدما اضطرت الولايات المتحدة إلى إعادة توزيع جزء من مواردها العسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط، وهو ما أظهر صعوبة استمرارها في إدارة التزاماتها الأمنية العالمية بالوتيرة نفسها التي اعتادها حلفاؤها منذ نهاية الحرب الباردة.
وبحسب هذا التوجه، فإن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحمل العبء الأمني كاملاً في آسيا، ما يدفع الحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن أنفسهم. غير أن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر عديدة، إذ قد تفسره الصين باعتباره تراجعاً في الالتزام الأمريكي، الأمر الذي قد يشجعها على زيادة الضغوط العسكرية، ويؤدي إلى سباق تسلح إقليمي يشمل الصواريخ بعيدة المدى والغواصات المتطورة، وربما إعادة فتح النقاش حول امتلاك بعض الدول الآسيوية لأسلحة نووية.
في المقابل، يرى الباحث جون لي أن دول آسيا تعاملت بواقعية مع سياسة “أمريكا أولاً”، معتبرة أن استمرار الشراكة مع واشنطن، رغم تغير طبيعتها، يبقى الخيار الأقل كلفة مقارنة بالوقوع تحت نفوذ الصين. ولذلك قبلت اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين بعلاقات أكثر براغماتية مع الولايات المتحدة، تقوم على صفقات اقتصادية واستثمارات كبيرة داخل السوق الأمريكية مقابل استمرار المظلة الأمنية الأمريكية.
أما أوروبا، فقد سلكت مساراً مختلفاً، إذ ركزت على تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة في مجالات التجارة والتكنولوجيا، مع تمسكها بالمؤسسات الدولية والتحالفات التقليدية. إلا أن هذا النهج يواجه تحديات متزايدة مع مطالبة واشنطن للدول الأوروبية برفع إنفاقها العسكري وتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن القارة، في وقت لا تزال فيه الحكومات الأوروبية مترددة في تقليص الإنفاق الاجتماعي لصالح الميزانيات الدفاعية.
ورغم اختلاف زوايا التحليل، يتفق الخبراء على أن العالم يشهد تحولاً تاريخياً في بنية التحالفات الدولية. فالنظام الأمني الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة لعقود يدخل مرحلة جديدة تتسم بتوزيع أكبر للمسؤوليات بين القوى الإقليمية، مع استمرار الحضور الأمريكي ولكن بصورة أكثر انتقائية وأقل انخراطاً.
وفي ظل استمرار صعود الصين، وتعدد بؤر التوتر العالمية، وتشتت الأولويات الأمريكية بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، تبدو منطقة آسيا والمحيط الهادئ مقبلة على مرحلة ستعتمد فيها دولها بشكل أكبر على قدراتها الذاتية وشراكاتها الإقليمية، في تحول قد يعيد رسم خريطة التوازنات الدولية لعقود قادمة، ويؤذن بانتهاء مرحلة الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة كضامن وحيد للأمن العالمي.