الانتفاضة
باسم الله الرحمن الرحيم
(واوفو ا بالعهد إن العهد كان مسؤولا)
صدق الله العظيم .
السادة الرؤساء والنقباء،
الزميلات والزملاء،
الحضور الكريم،
نجتمع اليوم أمام المؤسسة التشريعية للأمة، لا لنخوض معركة فئوية، ولا لنرفع مطلبا مهنيا عابرا، وإنما لنؤدي واجبا يمليه علينا القسم الذي أديناه، والأمانة التي نحملها، والتاريخ الذي لا يرحم من يفرط في المبادئ حين يكون الدفاع عنها واجبا .
إنها ليست وقفة احتجاج، بقدر ما هي وقفة مسؤولية ووفاء؛ مسؤولية أمام الوطن، وأمام الدستور، وأمام العدالة، وأمام الأجيال القادمة، ووفاء للحقوق والحريات، وصوتا للعهد الذي قطعناه بأن تبقى المحاماة حصنا للعدالة، وشريكا في صيانة دولة الحق والقانون .
لقد كانت المحاماة المغربية، عبر تاريخها، مدرسة في الوطنية قبل أن تكون مدرسة في القانون. حضرت في معارك التحرير، وأسهمت في بناء دولة الاستقلال، وواكبت مسار الإصلاحات الدستورية والحقوقية، وظلت، في كل المنعطفات الوطنية، منحازة إلى ثوابت الأمة، وإلى الشرعية الدستورية، وإلى دولة الحق والقانون. ولم تغادر يوما موقعها الطبيعي؛ موقع الشريك في بناء الدولة، لا الخصم في مواجهتها، ولا الباحث عن امتياز على حسابها.
الدولة دفاعا عن أحد مقومات ولهذا، فإن وقفتنا اليوم تجسد الديمقراطية، وإيمانا بأن قوة الدولة تقاس بقوة مؤسسات العدالة، وباحترام استقلالها، وبالوفاء للالتزامات التي تبنى عليها الثقة بين شركاء الإصلاح.
الزميلات والزملاء،
لقد انطلق هذا الورش في مناخ مؤسساتي قوامه الوعد بأن الإصلاح لن يكون إلا ثمرة توافق وشراكة؛ غير أن هذا المسار، مع تطور مراحله، فقد كثيرا من روحه، حين أعيد تشكيل التوافق تدريجيا بما أضعف الأساس الذي قام عليه .
ولم يكن الأمر مجرد اختلاف في التقدير، بل انتقالا من منطق الالتزام إلى منطق إعادة التكييف، ومن البناء المشترك إلى إعادة ترتيب المسار وفق اعتبارات ضيقة وغير موضوعية. وحين تصبح الالتزامات قابلة لإعادة النظر خارج سياقها التوافقي، فإن الخلل لا يعود في النصوص وحدها، بل في منهج إنتاجها؛ لأن التشريع لا يكتسب مشروعيته من قو ة الأغلبية فحسب، وإنما من قوة الثقة التي تؤسس له .
إن جوهر الإشكال ليس في مادة هنا أو مقتضى هناك، وإنما في التحول من فلسفة الإصلاح التشاركي إلى منطق الانفراد برؤية الإصلاح بما جعل التوافق يفقد قيمته المرجعية، وأدخل العلاقة بين الشركاء في دائرة الشك بدل دائرة الثقة .
ولذلك، فإن المساس بالمقاربة التشاركية ليس مجرد إخلال بإجراء من إجراءات التشريع، بل هو مساس بجوهر الإصلاح نفسه؛ لأن الحوار لم يقرر لإضفاء مظهر شكلي على التشريع، وإنما لضمان أن يولد القانون من الإرادة المشتركة، لا من موازين القوى العابرة .
وما يزيد هذا المسار خطورة، أن المسطرة التشريعية لم تعد مجرد إطار لإغناء المشروع، بل أصبحت وسيلة لإعادة تشكيله، من خلال إدراج بنيته من النقاش، بما غير مقتضيات جوهرية مفاجئة لم تكن جزءا التشريعية، وأبعده عن فلسفة الإصلاح التي أعلن عنها منذ البداية . وفي خلفية هذا التحول، برزت اعتبارات سياسية وحزبية أعادت ترتيب الأولويات بعيدا عن منطق الإصلاح الذي انطلق به هذا الورش، فغدا السؤال المطروح اليوم مرتبط بقيمة الالتزام ذاته: هل التوافق عهد يجب الوفاء به، أم مجرد محطة يمكن تجاوزها كلما تبدلت الحسابات؟
ذلك هو جوهر الأزمة؛ ليست أزمة نص، وإنما أزمة منهج، وليست أزمة تفاصيل، وإنما أزمة ثقة؛ فحين يهتز منهج إنتاج التشريع، تهتز معه الثقة في الفعل العمومي، وتصبح الشراكة مجرد عنوان لا مضمونا.
وحين يختل المنهج، يصبح من الطبيعي أن يختل الخطاب ايضا، وأن تصدر مواقف لا تنصف تاريخ المحاماة ولا تعكس مكانتها الدستورية.
أن يصدر، في خضم هذا النقاش، خطاب تجاهلي لقد كان مؤسفا للمحاماة ورموزها، وكأن المحاماة تحتاج إلى من يعرف بها، أو إلى من يمنحها مكانتها داخل الدولة . والحال أن الدولة المغربية ليست في حاجة إلى من يعرفها بالمحاماة؛ فهي تعرف تاريخها، وتعرف رجالاتها، وتعرف ما قدمته لهذه الأمة في الدفاع عن الحقوق والحريات، وفي ترسيخ دولة الحق والقانون، وفي مواكبة مختلف الأوراش الوطنية بروح المسؤولية والالتزام.
ويكفي المحاماة فخرا أن أعلى رمزية في الدولة قد أحاطتها بأسمى معاني التقدير، حين شرفها جلالة الملك بارتداء بذلة المحاماة، في دلالة وطنية ودستورية عميقة، تؤكد أن المحاماة ليست مجرد مهنة، وإنما رسالة من رسائل العدالة، وقيمة من القيم المؤسسة للدولة الحديثة . ولذلك، فإن المحاماة لا تنتظر شهادة من أحد، ولا تستمد مشروعيتها من خطاب سياسي، ولا من تقدير حكومة، ولا من موقف مسؤول حكومي؛ وإنما تستمد مكانتها من الدستور، ومن تاريخها الوطني، ومن رسالتها الإنسانية، ومن ثقة المجتمع، ومن المرجعيات الدولية التي جعلت استقلالها إحدى الضمانات الجوهرية للعدالة وسيادة القانون .
فمكانة المحاماة لا يصنعها مسؤول حكومي، ولا تمنحها حكومة، ولا تنال منها عبارة عابرة؛ لأنها مكانة كتبها التاريخ، وحصنها الدستور، وأكدتها الإرادة الملكية، ورسختها الممارسة، وكرستها المعايير الدولية .
ولذلك، فإن احترام المحاماة ليس مجاملة لمهنة، ولا استجابة لمطلب فئوي، وإنما احترام لحق الدفاع نفسه، وصون لأحد الأعمدة التي تقوم عليها المحاكمة العادلة، وحماية للتوازن الذي تقوم عليه منظومة العدالة .
لقد استقرت التجارب الدستورية والديمقراطية على أن استقلال القضاء لا يكتمل إلا باستقلال الدفاع، وأن حرية المحامي ليست ضمانة للمحامي، وإنما ضمانة للمواطن، وللعدالة، وللدولة نفسها. ولهذا لم تعتبر المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، الصادرة عن الأمم المتحدة، استقلال تمنحه السلطة، بل ضمانة تلتزم الدولة بحمايتها؛ لأنها المحاماة امتيازا شرط لازم لقضاء مستقل، وعدالة منصفة، ومجتمع يحتكم إلى القانون لا إلى موازين القوة.
ومن ثم، فإن استقلال المحاماة لا يقتصر على استقلال المحامي في أداء رسالته، وإنما يمتد إلى استقلال مؤسساتها، واستقلال قرارها، وتنظيمها الذاتي؛ لأن هذه الضمانات لم تقرر لحماية المحامين، وإنما لحماية المجتمع، وصون حق كل مواطن في دفاع حر ومستقل.
أما الحكومات، فإنها تمارس مسؤولياتها في حدود الزمن الدستوري الذي حدده لها الدستور، وتتداول عليها الإرادات السياسية وفق قواعد الديمقراطية؟ أما المحاماة، فتبقى، جيلا بعد جيل، تؤدي رسالتها في خدمة الوطن والعدالة؛ لأنها ليست مؤسسة ظرفية، وإنما مؤسسة ممتدة في الزمن الوطني، تحمل ذاكرة الإصلاح، وتصون تقاليد الاستقلال، وتواكب الدولة في مختلف تحولاتـها.
ولهذا، فإن الحوار مع المحاماة ليس حوارا مع فئة مهنية، وإنما مع مؤسسة وطنية ساهمت في بناء دولة القانون، وستظل وفية لهذه الرسالة، أيا كانت الحكومات، وأيا كانت الظروف.
ومن هنا، فإن تمسكنا باستقلال المحاماة هو دفاع عن الدولة التي نريدها؛ دولة يكون فيها الدفاع حرا، والقضاء مستقلا، والحقوق مصانة، والعدالة متوازنة، وسيادة القانون فوق الجميع.
ومن هذا المنظور تحديدا، فإن اعتراضنا اليوم ينصرف إلى الفلسفة العامة التي تحكم هذ ا المشروع، وإلى الرؤية التي يحملها لموقع المحاماة داخل منظومة العدالة؛ فالقوانين لا تقاس فقط بما تتضمنه من مواد، وإنما بما تؤسس له من تصورات، وما ترسمه من توازنات، وما تعكسه من رؤية للعلاقة بين مؤسسات الدولة .
ومن يقرأ هذا المشروع في بنيته العامة يدرك أن الإشكال الحقيقي يكمن في اتجاه تشريعي يعيد رسم موقع المحاماة داخل منظومة العدالة، لا باعتبارها شريكا دستوريا في تحقيقها، وإنما باعتبارها مؤسسة ينبغي تضييق مجال استقلالها، وإعادة هندسة بنيتها، والتحكم في آليات اشتغالها، والحد من قدرتها على ممارسة تنظيمها الذاتي؛ وهنا تكمن الخطورة؛ لأن التشريع حين يغير فلسفة المؤسسة، يكون أثره أعمق من أي مقتضى منفرد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال ما يمس الإطار الوطني الجامع للمهنة، جمعية هيآت المحامين بالمغرب، وهي المؤسسة التي راكمت، عبر عقود، تقاليد راسخة في توحيد الصف المهني، والدفاع عن استقلال المحاماة، والمساهمة في مختلف أوراش إصلاح العدالة والتشريع؛ وإن المساس بهذه المؤسسة لا يتعلق بتعديل تنظيمي عابر، وإنما بإضعاف أحد أهم الضمانات الجماعية لاستقلال المحاماة ووحدة قرارها المهني.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى المنظومة الاجتماعية والتضامنية للمحامين، التي لم تبن بأموال الدولة، ولم تقم على امتياز منحته السلطة، وإنما شيدتها أجيال من المحامين من مساهماتهم وتضحياتهم، لتؤمن الكرامة للمرضى والارامل والأيتام، وتجسد واحدا من أرقى نماذج التكافل المهني. ومن ثم، فإن المساس بها لا يقرأ باعتباره تعديلا تقنيا عاديا، وإنما باعتباره مساسا بأحد مقومات الاستقلال الاجتماعي للمهنة.
كما يتضمن المشروع مقتضيات تفتح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الباب أمام مناخ من الضغط على المؤسسات المهنية، بما قد يحد من استقلالها في أداء رسالتها؛ وهو اتجاه لا ينسجم مع الدستور، ولا مع المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، ولا مع التجارب الديمقراطية المقارنة التي تجعل من استقلال مؤسسات الدفاع شرطا لازما لاستقلال القضاء نفسه .
ولهذا، فإننا لا نتمسك بأوضاع قائمة لمجرد المحافظة عليها، وإنما ندافع عن فلسفة دستورية متكاملة، قوامها أن الدفاع لا يكون حرا إلا إذ ا كانت مؤسساته حرة، وأن العدالة لا تكون متوازنة إلا إذا بقيت جميع مكوناتها مستقلة، تؤدي وظائفها الدستورية دون وصاية أو إخضاع أو هيمنة.
يعيد رسم حدود استقلال إن الإصلاح الذي نؤمن به ليس اصلاحا المحاماة، وإنما إصلاح يوسع آفاق رسالتها، ويقوي مؤسساتها، ويحصن تنظيمها الذاتي، ويجعل منها شريكا كاملا في بناء عدالة أكثر نجاعة وثقة؛ قوة مؤسساتها بقدرتها على صيانة استقلال العدالة، لا فالدول تقاس بالانتقاص من ضماناتها.
ولذلك، فإن الخلاف الذي نعبر عنه اليوم هو اختلاف مع خيار حكومي في تدبير هذا الورش التشريعي؛ خيار بدأ بالتوافق، ثم ابتعد عنه، وبدأ بالشراكة، ثم انتهى إلى الانفراد، وبدأ بوعد بالإصلاح، ثم انتهى إلى مشروع ابتعد عن روحه وغادر فلسفته.
إننا لا ندافع عن مؤسسة لأنها تخص المحامين، وإنما لأنها تضطلع برسالة دستورية تمس المجتمع بأسره؛ فالمحاماة ليست عبئا على الدولة، ولا سلطة تنازعها اختصاصها، وإنما إحدى ضمانات قوتها، وأحد الشروط اللازمة لاستقرارها المؤسسي؛ لأن الدولة التي يضعف فيها الدفاع لا يربح فيها أحد، بل تخسر العدالة، ويخسر المواطن، وتخسر الدولة نفسها.
لقد علمتنا التجارب الدستورية أن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على منطق الغلبة، ولا ينجح بالإقصاء، ولا يستقر بفرض الأمر الواقع، وإنما بالوفاء بالالتزامات.
ومن هذا المنطلق، فإننا نخاطب المؤسسة التشريعية بكل تقدير دستوريا واحترام، وهي التي تمثل الإرادة الشعبية وتمارس اختصاصا ساميا، لنقول: إن مسؤولية البرلمان لا تقف عند حدود التصويت، وإنما تمتد إلى صيانة روح الدستور، وحماية التوازنات التي أقامها بين مؤسسات العدالة، والحفاظ على الضمانات التي شرعت لحماية حقوق المواطنين قبل حماية المهن.
فالعدد يمنح سلطة التصويت، لكنه لا يغني عن الحكمة، ولا يعوض التوافق، ولا يكفي وحده لإضفاء المشروعية على فلسفة تشريعية تمس التوازنات الدستورية. فالديمقراطية ليست حكم الأغلبية وحدها، وإنما هي احترام المؤسسات، وصيانة الحقوق، ومنع تغول أي سلطة على أيضا الضمانات التي أقامها الدستور.
كما نخاطب الرأي العام الوطني بكل وضوح: إن ما ندافع عنه اليوم بالمحامين، ولا معركة من أجل امتيازات، وإنما ليس شأنا مهنيا خاصا دفاع عن حق كل مواطن في أن يجد، عندما يحتاج إلى العدالة، دفاعا حرا، مستقلا، لا يخضع إلا للقانون وضمير المهنة. فكلما كانت المحاماة مستقلة، كان المواطن أكثر أمنا على حقوقه، وكانت العدالة أكثر توازنا، وكانت الدولة أكثر احتراما لسيادة القانون .
وأقول لزميلاتي وزملائي في جميع هيآت المملكة: إن قوة المحاماة لم في عدد أفرادها، وإنما في وحدة صفها، وفي التفافها حول تكن يوما مؤسساتها، وفي انضباطها لقراراتها الجماعية؛ وإن هذه المرحلة تقتضي لتقاليد مهنتنا؛ لأن منا أن نكون أكثر تماسكا، وأكثر وعيا، وأكثر وفاء المؤسسات الراسخة هي التي تحمي الرسالة، والوحدة هي التي تصنع القوة، والتاريخ لا يحفظ إلا المواقف التي انتصرت للمبدأ قبل المصلحة .
لقد كان بإمكاننا أن نصمت، وأن نتكيف مع الأمر الواقع، وأن نبحث عن حلول مريحة، لكننا كنا سنخون الأمانة التي حملناها، ونفرط في رسالة ستسألنا عنها الأجيال. ولذلك اخترنا الطريق الأصعب، لأنه الطريق الصحيح؛ طريق الدفاع عن المبادئ لا المصالح، وعن المستقبل لا اللحظة، وعن الدولة الديمقراطية لا عن موازين القوة العابرة.
لقد قلنا ما لدينا بكل مسؤولية، واستنفدنا كل سبل الحوار، وتمسكنا بالتوافق إلى آخر مدى، لأننا كنا نؤمن، وما زلنا، بأن الإصلاح الحقيقي لا يفرض، وإنما يبنى، ولا يستقيم إلا إذا قام على الثقة والاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات.
ومن هنا، فإننا نعلن موقفنا اليوم بكل وضوح، وبكل هدوء، وبكل مسؤولية: لسنا في مواجهة مع الدولة، ولن نكون؛ لأن المحاماة كانت، وستظل، جزءا من الدولة الوطنية، ومدافعة عن ثوابتها، وعن مؤسساتها، وعن الشرعية الدستورية، وعن استقلال القضاء، وعن سيادة القانون ؛ وإنما اختلافنا مع خيار حكومي في تدبير هذا الورش التشريعي؛ خيار بدأ بالتوافق، ثم انتهى إلى نقضه، وبدأ بالشراكة، ثم انتهى إلى الانفراد، وبدأ بوعد بالإصلاح، ثم انتهى إلى مشروع ابتعد عن روحه، وغادر فلسفته، وأنتج نصا لا يعكس التوازن الذي يقتضيه الإصلاح الحقيقي.
ومن هذ ا المنطلق، فإن تمسكنا بسحب مشروع قانون مهنة المحاماة يروم تصحيح بصيغته الحالية ليس موقفا تصعيديا، بل موقفا اصلاحيا المسار. والحد الأدنى الذي يفرضه منطق المسؤولية هو تجميد مسار ه التشريعي، وفتح حوار جديد، يعيد الاعتبار للتوافق، ويؤسس لإصلاح يليق بالمغرب، وبدستوره، وبمكانة المحاماة داخل منظومة العدالة .
إن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة تمرير النصوص، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الزمن، وعلى بناء الثقة، وعلى أن تترك في ذاكر ة في التنصل من الالتزامات؛ في الوفاء، لا سابقة المؤسسات سابقة فالإصلاح الذي يفرض بقوة العدد قد يمر، أما الإصلاح الذي يبنى بقوة الثقة فهو الذي يدوم .
قد تمتلك الحكومة أغلبية تمرر بها النصوص، لكن لا أحد يمتلك أغلبية على الدستور، ولا على التاريخ، ولا على المبادئ التي يقوم عليها بناء الدولة. فالأغلبية قد تجيز النص، لكن الثقة وحدها تجيز الإصلاح، والتوافق وحده يضمن له الشرعية والاستمرار .
وسيغادر المحامون هذه الوقفة كما جاؤوا إليها؛ ثابتين على المبدأ، هادئين في الموقف، واثقين في عدالة قضيتهم، مؤمنين بدولتهم، متمسكين بدستورهم، معتزين برسالتهم، ومتشبثين بمحاماة حرة، مستقلة، موحدة.
سيشهد التاريخ أن المحامين المغاربة، حين وضع استقلال مهنتهم على المحك، لم يصمتوا، ولم يساوموا، ولم يتراجعوا؛ لأنهم أدركوا أن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعا عن مهنة، وإنما عن حق الدفاع، وعن العدالة، وعن الدولة التي لا تستقيم إلا بمؤسسات قوية، مستقلة، ومتوازنة.
وسنبقى أوفياء للعهد… لأن العهود لا تحفظها الكلمات، وإنما تحفظها المواقف .
سنبقى ثابتين على الموقف، ثبات أصحاب الحق الذين لا تزعزعهم الضغوط، ولا تكسر إرادتهم موازين القوة.
لا تلين، وإيمان نضالنا المشروع، بنفس طويل، وعزيمة سنواصل راسخ بأن المحاماة لا تستباح، وأن كرامتها ليست محلا للتفاوض.
وسنصعد، وسنرفع من أشكالنا النضالية، بكل مسؤولية ووحدة وانضباط، حتى يبلغ صوت المحاماة مداه، وحتى يتحمل كل طرف مسؤوليته كاملة أمام التاريخ وأمام الوطن .
لن نستسلم، ولن نتراجع، ولن نفرط، فهذه ليست معركة نصوص، بل معركة وجود، ومعركة دفاع عن استقلال المحاماة، وعن العدالة، وعن دولة الحق والقانون .
ولن نغادر هذا الموقف إلا بتحقيق أهدافنا الواضحة :
-سحب هذا المشروع.
-والعودة إلى حوار مؤسساتي حقيقي، لا حوار شكلي يستعمل لتبرير قرارات جاهزة .
-والعودة إلى توافق حقيقي، لا إلى توافق يعلن في الخطاب ويجهض في التشريع .
مكتسبات المحاماة، ويصون والعودة إلى إصلاح حقيقي، يحصن يهدم الضمانات، ويضعف العدالة، بدل إصلاح استقلالها، ويقوي المؤسسات، ويدخل البلاد في أزمة ثقة كان بالإمكان تجنبها.
خاتمة:
في ختام هذه المحطة التاريخية، نتوجه بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى السادة النقباء، وأعضاء مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وإلى نقيب هيئة الرباط وأعضاء مجلسها، وإلى السيد الأمين العام لاتحاد المحامين العرب النقيب بنعيسى المكاوي، وإلى كافة المحاميات والمحامين، وكل الإطارات المهنية، والأحزاب السياسية، والمنظمات الحقوقية، ووسائل الإعلام، ومختلف مكونات المجتمع المدني، على م ا أبانوا عنه من تضامن، ووحدة، ومسؤولية وطنية.
لقد أكد هذا الالتفاف الواسع أن الدفاع عن المحاماة ليس دفاعا عن مهنة فحسب، بل عن العدالة، وعن حق الدفاع، وعن دولة الحق والقانون .
عاشت المحاماة المغربية حرة، مستقلة، أبية، وفية لرسالتها، وحصنا للحقوق والحريات، ورافعة للعدالة وسيادة القانون.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.