الانتفاضة / إلهام أوكادير
للجمعة مكانة خاصة في قلوب المسلمين، فهي ليست مجرد يوم من أيام الأسبوع، بل موعد يتجدد فيه الشعور بالسكينة والتقرب إلى الله، حتى وصفها كثيرون بأنها “عيد الأسبوع”. وفي المغرب على وجه التحديد، تكتسب هذه المناسبة طابعاً مميزاً يمتزج فيه البعد الروحي بدفء العلاقات العائلية والاجتماعية.
فمنذ ساعات الصباح الأولى، يحرص الكثير من المغاربة على الاستعداد لصلاة الجمعة، حيث يُولي الناس اهتماماً خاصاً بالنظافة والتأنق وارتداء أجمل الملابس، كما تفوح من البيوت روائح العطور والبخور التي ارتبطت بهذا اليوم لدى العديد من الأسر. ويقصد المصلون المساجد للاستماع إلى خطبة الجمعة التي تحمل في الغالب رسائل أخلاقية وإنسانية وتربوية تلامس شؤون الحياة اليومية، قبل أن يؤدوا الصلاة في أجواء يسودها الخشوع والطمأنينة.
ولا تكتمل صورة الجمعة في البيوت المغربية دون اجتماع أفراد الأسرة حول مائدة الغداء، التي يتصدرها في الغالب طبق الكسكس باعتباره أحد أبرز التقاليد الراسخة في هذا اليوم. كما يختار كثيرون استغلال المناسبة لزيارة الأهل وصلة الرحم، أو تقديم الصدقات ومساعدة المحتاجين، في مشاهد تعكس قيم التضامن والتكافل التي تميز المجتمع المغربي.
ويظل يوم الجمعة أيضاً مناسبة تتجدد فيها اللقاءات العائلية والزيارات بين الأقارب والأصدقاء، حيث يفسح إيقاع اليوم المختلف المجال أمام لحظات من الألفة والمودة قلّما تتوفر بنفس الشكل خلال باقي أيام الأسبوع. فبين المصافحة والعناق وتبادل الدعوات الطيبة، يشعر كثيرون بأن هذا اليوم يحمل دفئاً إنسانياً خاصاً لا تخطئه القلوب.
وربما من الجميل أن يواصل المغاربة التشبث بهذه العادات والطقوس التي ارتبطت بيوم الجمعة جيلاً بعد جيل. فبعيداً عن تصنيفها كموروث اجتماعي أو تقليد متوارث، فإنها تظل حاملة لمعانٍ عميقة يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. إنها لحظة أسبوعية تتقاطع فيها القيم الدينية مع الأخلاقية والإنسانية، وتلتقي فيها العبادة بصلة الرحم، والسكينة بالمحبة، والروحانية بالتكافل الاجتماعي.
وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتراجع فيه أحياناً فرص اللقاء والتواصل بين الناس، تبدو هذه العادات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فهي لا تحفظ فقط جزءاً من الهوية المغربية، بل تمنح المجتمع جرعة متجددة من الدفء الأسري والتماسك الإنساني، وتذكر الجميع بأن البركة لا تكمن في كثرة ما نملك، بل في لحظات القرب والمحبة والتراحم التي تجمع القلوب حول قيم الخير والجمال.