النطف المائية في قلعة السراغنة: حكمة الأجداد لمواجهة الجفاف

0

الانتفاضة//الحجوي محمد

في أعماق إقليم قلعة السراغنة، حيث تمتد السهول الفلاحية وتتناثر القرى المتشبثة بجذورها التاريخية، تظل “النطف المائية” شاهدة على عبقرية التدبير المائي التي أبدعها الإنسان المغربي منذ قرون. هذه الأحواض التقليدية، المنحوتة في الأرض بعناية فائقة، كانت ولا تزال حلقة وصل بين السماء والأرض، تجمع مياه الأمطار وتحفظها من التبخر لتكون مخزوناً استراتيجياً ينتظر أوقات العطش.

وتتجلى روعة هذا الإرث في منطقة “الحدرة” تحديداً، حيث تنتشر هذه النطف كجُدرٍ ترابية تحتضن كل قطرة ماء نازلة من الغيث. فبفضل تصميمها الهندسي البديع، تستطيع هذه المنشآت التقليدية تخزين كميات معتبرة من المياه لشهور طويلة، مما يوفر دخلاً آمناً للسكان خلال فترات الجفاف القاسية التي تعرفها المنطقة بين الفينة والأخرى.

ويؤكد خبراء في الموارد المائية أن النطف لم تكن مجرد آبار ترابية عابرة، بل مثلت نظاماً بيئياً متكاملاً حافظ على التوازن المائي بإقليم قلعة السراغنة. ففضلاً عن دورها في الري والسقيا، كانت هذه الأحواض تُستخدم كمراعٍ طبيعية للماشية بعد جريان المياه، مما أسهم في تنويع الأنشطة المعاشية للسكان القرويين.

إن ما تزخر به منطقة الحدرة من نطف مائية لا يشكل فقط ذاكرة حية للتدبير التقليدي، بل يمثل اليوم نموذجا يحتذى في التكيف مع تقلبات المناخ. فإعادة تأهيل هذه المنشآت القديمة وصيانتها، مع إدخال تحسينات بسيطة عليها كتغطيتها جزئيا أو ربطها بشبكات حديثة، قد يحولها إلى حلول منخفضة التكلفة وعالية الفعالية لمواجهة شبح الجفاف. وهكذا، يبقى إقليم قلعة السراغنة شاهدا على أن حكمة الأجداد، حين تلتقي بإرادة الحاضر، تستطيع أن تروي أرضا وأملا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.