من قاعات الجامعة إلى طوابير البطالة: أزمة الشباب الخريجين في مواجهة سوق العمل

0

الانتفاضة/ إلهام الصحفي

البطالة بين الخريجين ليست مجرد رقم يُسجَّل في تقارير رسمية أو إحصاءات سنوية، إنها تجربة يعيشها آلاف الشباب الذين يدخلون الجامعة بأحلام كبيرة ويخرجون منها بشهادات تحمل قيمة رمزية أكثر مما تحمل ضمانة واقعية لمستقبل مهني. إنهم يواجهون فراغاً قاسياً بين ما تعلموه وما ينتظرهم في سوق العمل، فراغاً يملؤه القلق والإحباط والبحث المستمر عن فرصة قد لا تأتي بسهولة.
حين نتأمل هذه الظاهرة، ندرك أنها ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تراكمات طويلة: نظام تعليمي يركز على التلقين أكثر من التطبيق، اقتصاد لا يخلق وظائف بالسرعة التي يتخرج بها الشباب، ومجتمع يربط النجاح بالوظيفة الرسمية أو الاستقرار المالي. الخريج يجد نفسه في مواجهة سوق عمل يطلب خبرة لا يملكها، ويشترط مهارات لم يتعلمها، ووجود المحسوبية والوساطة التي تعيق تكافؤ الفرص.

 


لكن الأزمة لا تقف عند حدود الاقتصاد، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والنفسية. الشاب الذي كان يتخيل نفسه موظفاً أو مهندساً أو أستاذاً، يجد نفسه عاطلاً عن العمل، فيبدأ الشك في قيمة سنوات الدراسة، ويشعر أن جهده لم يُقدَّر. هذا الإحباط يتحول أحياناً إلى عزلة، البعض يضطر إلى الهجرة خارج الوطن بحثاً عن فرصة أفضل، بينما يلجأ آخرون إلى أعمال مؤقتة وغير مهيكلة لا توفر الاستقرار. حتى الحياة الشخصية تتأثر، إذ يتأخر الزواج والاستقرار بسبب غياب دخل ثابت، و هذا من بين أهم الأسباب لعزوف الشباب عن الزواج.
وأحياناً إلى القبول بأي عمل مؤقت لا يليق بمستواه العلمي. وهكذا تصبح البطالة سبباً في تأخر الزواج، في ضعف المشاركة الاجتماعية، في فقدان الثقة بالنظام كله، وكيف سيواجه المجتمع ووسطه، ونظرة الأخر عنه..
البطالة بين الخريجين ليست قدراً محتوماً، بل هي تحدٍّ يمكن تحويله إلى فرصة. الشباب الذين يقفون اليوم في طوابير الانتظار هم نفسهم الذين بإمكانهم قيادة  مشاريع تنموية كبرى غدا،  إذا أُعطيت لهم الفرصة والدعم والثقة. إنهم ليسوا عبئاً على المجتمع، بل طاقة كامنة تنتظر أن تجد طريقها إلى النور.
البطالة بين الخريجين ليست مجرد مشكلة فردية، بل أزمة اجتماعية تهدد مستقبل جيل كامل. ومع ذلك، فإن الشباب يملكون طاقة وإبداعاً هائلين، ليتحولوا إلى قوة دافعة للتنمية والتغيير بمجرد أن تمنح لهم فرصة توظيف كفاءاتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.