الانتفاضة//الحجوي محمد
في خضم النقاشات المتجددة حول حقوق الإنسان وكرامته، يبقى ملف عقوبة الإعدام من أكثر الملفات إثارة للجدل. إلا أن واقع الجريمة في العديد من المجتمعات يفرض علينا نظرة واقعية، مفادها أن هناك جرائم تستوجب أقصى درجات الردع، لا انتقاماً من الجاني، بل حماية للمجتمع واستقراره.
تُثبت الوقائع أن عقوبة الإعدام، حين تُطبق بإنصاف وبعد محاكمات عادلة، تحقق ردعاً فعالاً لمن تسول له نفسه اقتراف جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار، أو الاغتصاب المؤدي إلى الموت، أو الإرهاب الذي يزهق الأرواح. ففي غياب هذا الردع الأقصى، قد يستهين المجرمون بحرمة الروح البشرية، خصوصاً إذا علموا أن عقوبات بديلة كالسجن المؤبد قابلة للتخفيف أو الانتهاء.
إن الدعوة إلى تفعيل الإعدام لا تعني التخلي عن معايير العدالة. بل لا بد من وضع ضمانات قضائية صارمة، كاستنفاذ جميع درجات التقاضي، والتمثيل القانوني الكفء، والتدقيق في الأدلة القاطعة كالبصمة الجينية أو الاعتراف غير المنتزع. فالقضاء العادل هو وحده المخول بإصدار مثل هذا الحكم، بعد يقين لا يساوره شك.
تشير تجارب بعض الدول التي ألغت عقوبة الإعدام إلى ارتفاع ملحوظ في جرائم القتل والاتجار بالبشر والإرهاب. فالعصابات المنظمة لا تردعها السجون الطويلة، بل يردعها الإحساس بأن حياتها معرضة للخطر إذا ما تورطت في قتل الأبرياء. لذا، فإن الإبقاء على هذه العقوبة لبعض الجرائم البالغة الخطورة يشكل خط دفاع أول عن أمن المجتمعات.
عقوبة الإعدام ليست حلاً لكل الجرائم، ولا ينبغي أن تطبق بتهور. لكن في قضايا معينة تتسم بالوحشية والإجرام المنظم الذي يهدد وجود المجتمع ذاته، تظل هذه العقوبة أداة ضرورية للعدالة الجنائية. المطلوب هو تطبيقها بشفافية وعدالة، لا إلغاؤها لمجرد مبادئ نظرية تتناغم مع بعض التيارات الحقوقية التي لا تعاني ويلات الجريمة اليومية. المجتمع أولاً، وحق الضحايا في الحياة مقدّم على حق القاتل في البقاء.