الانتفاضة//الحجوي محمد
في زمن تتصدر فيه السرعة قمة الأولويات الإعلامية، بات المشهد مليئاً بالمحللين الفوريين الذين يبادرون إلى تفسير الأحداث قبل أن تجف حبر أخبارها. هذه الظاهرة، التي تحولت إلى سمة بارزة في التغطية الإعلامية المعاصرة، تطرح إشكالية جوهرية: أين يقف التوثيق من كل هذه الانطباعات العاجلة؟
يُقبل عدد متزايد من الإعلاميين والمراقبين على تقديم قراءات لحظية للأحداث السياسية والرياضية والاجتماعية، معتمدين في الغالب على انطباعات شخصية أو معطيات ناقصة. وهذا الأسلوب، وإن كان يلبي رغبة الجمهور في الفهم السريع، فإنه غالباً ما يتجاهل خلفيات القضايا وتعقيداتها، مما يُنذر بتبعات خطيرة على جودة الخطاب الإعلامي.
يرى مختصون في الشأن الإعلامي أن التحليل الجيد لا يمكن أن يولد في دقائق معدودة، بل يحتاج إلى وقت للبحث والتمحيط والاستماع إلى مختلف الأطراف. فالصحفي المحترف، وفق هؤلاء، مطالب بالتمييز بين التعليق العابر والتحليل العميق، والالتزام بمصادر موثوقة قبل إصدار أي حكم أو تفسير.
وتتفاقم خطورة هذه الظاهرة في عصر طغت فيه منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المعلومة كالنار في الهشيم . وهنا يبرز سؤال المسؤولية: كيف يمكن للإعلام التقليدي أن يحافظ على مصداقيته إذا انخرط في سباق السرعة نفسه وتخلى عن دوره الأصلي في التدقيق والتحقق؟
يجمع مراقبون على أن الحفاظ على ثقة الجمهور يمر عبر العودة إلى جوهر العمل الصحفي القائم على الدقة والموضوعية. فالتحليل المتزن لا يعني التخلي عن السرعة بقدر ما يعني عدم التضحية بالحقيقة من أجل السبق. في النهاية، يبقى الرأسمال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية هو مصداقيتها، وليس سرعة رد فعلها.