الانتفاضة
عاد المحامي رشيد آيت بلعربي، عضو هيئة القنيطرة، إلى الجدل الدائر حول مشروع قانون مهنة المحاماة، بعد تصريحات وزير العدل التي دافع فيها عن فتح المجال أمام أساتذة القانون لممارسة المحاماة إلى جانب مهامهم الجامعية، بدعوى ما يمكن أن يشكلوه من “قيمة مضافة” للمهنة، سواء على مستوى المرافعات أو المذكرات أو المساهمة في تطوير الإجتهاد القضائي.
واعتبر آيت بلعربي، في تدوينة مطولة، أن هذا الطرح يوحي وكأن جسم المحاماة يعاني نقصاً مهنياً أو علمياً لا يمكن تجاوزه إلا بإدخال أساتذة الجامعات إلى المهنة دون قيود، وهو ما رأى أنه يحتاج إلى نقاش هادئ، بعيداً عن الانفعال وردود الفعل الظرفية.
وأكد المحامي، في بداية تدوينته، أن الجسم المهني للمحامين يكنّ تقديراً كبيراً لأساتذة القانون، باعتبارهم ساهموا في تكوين أجيال من المحامين والقضاة وكتاب الضبط وباقي المشتغلين في الحقل القانوني، مشيراً إلى أن كتب الفقه القانوني، المغربي والمقارن، ما تزال تشكل مرجعاً مهماً للمحامين أثناء إعداد مرافعاتهم ومذكراتهم.
غير أن هذا التقدير، بحسب آيت بلعربي، لا يكفي لتبرير السماح لأساتذة القانون بمزاولة المحاماة بالتوازي مع التدريس الجامعي، معتبراً أن المبررات المقدمة في هذا السياق تبقى “هشة وغير مقنعة”، لأنها تختزل النقاش في فكرة مفادها أن الأستاذ الجامعي، بحكم موقعه العلمي، قادر تلقائياً على تطوير ممارسة مهنية لها قواعدها وتقاليدها ورسالتها المستقلة.
وأوضح آيت بلعربي أن شرارة هذا النقاش انطلقت من تصريحات وزير العدل في أكثر من مناسبة، سواء أمام لجنة العدل والتشريع أو داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، حيث عبّر الوزير عن حماس واضح لفتح أبواب المحاماة أمام أساتذة القانون، بل دعاهم، حسب مضمون التدوينة، إلى الدفاع عن هذا المطلب أمام البرلمان.
ويرى صاحب التدوينة أن هذا الحماس لم يكن نتيجة قناعة تشريعية مستقرة أو رؤية إصلاحية مكتملة، بل جاء في سياق توتر العلاقة بين وزير العدل والمحامين، بعد الاحتجاجات التي رافقت مشروع قانون المحاماة، وما اعتبره المحامون تراجعاً عن مسار الحوار الذي امتد لأزيد من سنة، قبل أن يتدخل رئيس الحكومة لسحب الملف من الوزارة وتكليف لجنة خاصة بمواصلة الحوار مع الهيئات المهنية.
وأشار آيت بلعربي إلى أن وزير العدل، حين أعد مشروع قانون المحاماة في صيغته الأولى التي عرضت على المجلس الحكومي، ثم في الصيغة التي أحيلت على البرلمان، لم يدرج مقتضى يسمح لأساتذة القانون بممارسة المحاماة مع الاستمرار في التدريس الجامعي.
ومن هنا يطرح، بحسبه، سؤال التوقيت: لماذا يتم استحضار هذا المطلب اليوم داخل البرلمان والدعوة إلى إدخاله عبر التعديلات، إذا لم يكن جزءاً من التصور الأصلي للمشروع؟
وفي رده على من يعتبر أن التدريس الجامعي لا يتعارض مع ممارسة المحاماة، لجأ آيت بلعربي إلى طرح أسئلة متتالية.
فإذا كانت وظيفة أستاذ القانون، كما يقول، لا تتنافى مع المحاماة، فلماذا لا يطالب الأساتذة أيضاً بممارسة القضاء دون قيد أو شرط، خاصة أن ذلك قد يساهم نظرياً في تخفيف الخصاص في عدد القضاة وترشيد المال العام؟
وتساءل أيضاً عن سبب عدم السماح لهم بممارسة التوثيق، ماداموا قد ساهموا في تدريس الموثقين كما درسوا المحامين والقضاة.
كما تساءل لماذا لا يفتح الباب أمام القضاة، سواء في القضاء الجالس أو الواقف، لممارسة المحاماة خارج نفوذ المحاكم التي يشتغلون بها، ولماذا لا يسمح لكتاب الضبط والموثقين بمزاولة المحاماة إلى جانب مهامهم الأصلية.
وبهذا المنطق، اعتبر آيت بلعربي أن النقاش لا ينبغي أن يختزل في فكرة “التكامل” بين الأستاذ الجامعي والمحامي، لأن لكل مهنة خصوصيتها واستقلاليتها وضوابطها، ولأن خدمة العدالة لا تعني بالضرورة الجمع بين أكثر من وظيفة، بل تعني أن يقوم كل طرف بدوره كاملاً من موقعه الطبيعي.
وتوقف المحامي عند العبارات التي باتت تتكرر في هذا النقاش، من قبيل الارتقاء بالمحاماة، وتجويد الأحكام القضائية، ورفع مستوى المرافعات والمذكرات، وربط الممارسة المهنية بالبحث العلمي، وجعل المحاماة مهنة منفتحة وتنافسية قادرة على مواكبة المقاولة والاستثمار.
واعتبر أن هذه العبارات، رغم أناقتها، تبقى عامة إذا لم تنطلق من معرفة دقيقة بواقع المحاماة في المغرب.
فالمهنة، حسب قوله، لا تعوزها الكفاءة، وإن كان مستوى التكوين والممارسة يختلف من محام إلى آخر، كما يختلف بين الأساتذة الجامعيين والقضاة والمسؤولين أنفسهم.
وأكد أن المحاماة المغربية تضم قامات مهنية رفيعة في مختلف التخصصات، من القانون الجنائي إلى الإداري والتجاري والمدني والدولي، معتبراً أن اختزال المهنة في كتابة المذكرات وتقديم المرافعات يعكس نظرة محدودة لطبيعتها.
فالمحاماة، في تصوره، ليست مجرد تقنية قانونية، بل رسالة دفاع عن الحقوق والحريات، ومهنة مواقف تاريخية ساهمت في لحظات حساسة من تاريخ البلاد في الدفاع عن استقلال القضاء وفصل السلط ودولة الحق والقانون.
وشدد آيت بلعربي على أن القيمة المضافة الحقيقية لأساتذة القانون تكمن في تطوير البحث العلمي، وإنتاج المراجع القانونية، ومواكبة التشريعات المغربية والمقارنة، والعمل على معالجة الاختلالات التي أصبحت تمس بعض الشهادات الجامعية، خاصة الماستر والدكتوراه، وما يثار حولها من ممارسات تسيء إلى الثقة والمصداقية.
أما القيمة المضافة للمحامي، حسب التدوينة، فتتجلى في الاجتهاد اليومي لتكييف النصوص القانونية مع الوقائع المعروضة عليه، والدفاع عن مصالح موكليه في إطار القانون، والابتعاد عن كل الممارسات التي تسيء للمهنة.
في حين تتمثل قيمة القاضي في التطبيق السليم والعادل للقانون على الوقائع، بحياد واستقلال ونزاهة.
ويرى آيت بلعربي أن أستاذ القانون والمحامي والقاضي يساهمون جميعاً في خدمة العدالة، لكن كل واحد منهم من موقعه، دون الحاجة إلى خلط الأدوار أو تقديم مهنة على أنها قادرة على إنقاذ مهنة أخرى.
واستحضر آيت بلعربي ما اعتبره أدواراً تاريخية للمحامين في الدفاع عن الحقوق والحريات، خصوصاً خلال مرحلة الإنصاف والمصالحة، وما قبل دستور 2011 وبعده، ثم خلال الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة.
كما ذكّر بمواقف المحامين من مشروع قانون المسطرة المدنية، الذي أثار جدلاً واسعاً بسبب ما اعتبرته هيئات مهنية وحقوقية تضييقاً على حق التقاضي وضمانات المحاكمة العادلة.
واستحضر أيضاً مواقفهم من مشروع قانون المسطرة الجنائية، خاصة النقاش المرتبط بالمادة الثالثة، وبالسلطات الواسعة الممنوحة للشرطة القضائية في البحث، وما رافق ذلك من تخوفات مرتبطة بالحقوق الدستورية للمواطنين.
وفي السياق ذاته، توقف عند مشروع قانون المحاماة الحالي، وما رافقه من احتجاجات دفاعاً عن استقلالية المهنة وحصانة الدفاع، مؤكداً أن هذه الحصانة لا تخص المحامي وحده، بل يستفيد منها المتقاضي قبل غيره، لأنها تشكل ضمانة لحق الدفاع ولمحاكمة عادلة.
وختم آيت بلعربي تدوينته بسلسلة من الأسئلة الموجهة إلى أساتذة القانون الذين دافعوا عن حقهم في الولوج إلى مهنة المحاماة، متسائلاً عن مواقفهم حين كانت القوانين “تُطبخ” الواحد تلو الآخر، وعن حضورهم في النقاشات المتعلقة بمشروعي قانوني المسطرة المدنية والجنائية، وعن موقفهم من استقلالية المحاماة، ومن حصانة الدفاع، ومن المشروع الحالي المنظم للمهنة.
كما تساءل عن سبب تركيز بعضهم على المادتين 13 و14 من مشروع قانون المحاماة، المرتبطتين أساساً بشروط الولوج، بدل الانخراط في النقاش الأوسع حول فلسفة المشروع وتأثيره على استقلال المهنة وضمانات الدفاع.
ويضع هذا النقاش علاقة الجامعة بالمحاماة أمام سؤال حساس: هل يتعلق الأمر فعلاً بتجويد الممارسة المهنية، أم أن النقاش انحصر في حق الولوج إلى المهنة أكثر مما انشغل بموقع المحاماة كرسالة للدفاع عن الحقوق والحريات؟