ما لا نراه في الجلوس لساعات طويلة.. تأثيرات صامتة على الصحة

0

الانتفاضة / نور الهدى العيساوي

لم يعد الجلوس لساعات طويلة داخل المكاتب أو أمام الشاشات مجرد تفصيل مرتبط بطبيعة العمل الحديث، بل أصبح سلوكاً يومياً واسع الانتشار يثير قلقاً متزايداً في الأوساط الصحية، خصوصاً مع امتداد فترات الجلوس لدى بعض الأفراد إلى ما يقارب عشر ساعات يومياً.

وتذهب تقارير طبية حديثة إلى أن هذا النمط من “الخمول المستمر” قد يشكل عاملاً صحياً قائماً بذاته، وليس مجرد نتيجة لغياب الرياضة. إذ يتبين أن الضرر لا يرتبط فقط بضعف اللياقة البدنية، بل أيضاً بطول المدة التي يبقى فيها الجسم في حالة سكون متواصل.

وفي هذا السياق، يوضح الباحثون أن ممارسة التمارين الرياضية المنتظمة، رغم أهميتها، لا تلغي تماماً الآثار السلبية للجلوس المطوّل. فالجسم قد يكون نشيطاً خلال ساعة تدريب يومية، لكنه يظل خاضعاً لفترات طويلة من التوقف شبه الكامل للحركة خلال باقي اليوم.

ويعتمد الخبراء في تفريقهم بين المفاهيم الصحية على التمييز بين نقص النشاط البدني من جهة، والسلوك الخامل من جهة أخرى. الأول يتعلق بعدم بلوغ مستويات الحركة الموصى بها، بينما الثاني يصف نمط حياة قائم على الجلوس أو الاستلقاء لفترات ممتدة دون تغيير الوضعية أو تحريك العضلات بشكل كافٍ.

وتشير المعطيات العلمية إلى أن هذا السلوك يؤثر مباشرة على آليات عمل الجسم، حيث تتراجع قدرة العضلات على استهلاك السكر، ما قد يرفع من احتمالات مقاومة الإنسولين وظهور اضطرابات استقلابية مثل داء السكري من النوع الثاني. كما ينعكس ذلك على سرعة حرق الدهون ويؤثر على كفاءة الدورة الدموية.

ومع مرور الوقت، تتراكم هذه التغيرات لتزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون في الدم، إضافة إلى زيادة الدهون الحشوية في منطقة البطن. ولا يتوقف التأثير عند هذا الحد، إذ يمتد أيضاً إلى الجهاز العضلي والعظمي، مسبباً آلاماً مزمنة في الظهر والرقبة والكتفين نتيجة الثبات الطويل في وضعية واحدة.

أما على المستوى اليومي، فإن قلة الحركة تؤثر على الأداء الذهني، حيث ترتبط بانخفاض مستويات التركيز والإحساس بالإرهاق وتراجع الطاقة، ما ينعكس بشكل مباشر على الإنتاجية داخل بيئة العمل.

وتقدر دراسات دولية أن الخمول البدني يسهم في ملايين الوفيات سنوياً، ما يجعل منه أحد أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث، وليس مجرد سلوك فردي يمكن تجاوزه بسهولة.

وتبرز بيئة العمل كأحد أهم العوامل التي تعزز هذا النمط، بالنظر إلى طول ساعات الجلوس المتواصلة. لذلك تتجه توصيات الصحة العامة إلى إدخال تغييرات بسيطة لكنها فعالة في الروتين اليومي، مثل كسر فترات الجلوس بالوقوف أو الحركة لبضع دقائق بشكل دوري، أو عقد الاجتماعات أثناء المشي، أو استخدام الدرج بدل المصاعد.

كما بدأت بعض المؤسسات في اعتماد تجهيزات مكتبية مرنة تسمح بالتنقل بين الجلوس والوقوف، إلى جانب تشجيع الموظفين على إدماج الحركة في تفاصيل يومهم المهني.

وتشير تجارب ميدانية في عدد من الدول إلى أن هذه الممارسات يمكن أن تقلص وقت الجلوس اليومي بشكل ملحوظ، مع تحسن واضح في الراحة الجسدية والانتباه خلال العمل.

وفي ضوء هذه المعطيات، لم يعد التعامل مع الصحة مرتبطاً فقط بممارسة الرياضة خارج أوقات العمل، بل أصبح يتطلب إعادة تصميم طريقة العيش اليومية نفسها، بحيث تصبح الحركة جزءاً طبيعياً ومتكرراً من الروتين، وليس نشاطاً منفصلاً عنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.