الانتفاضة/ جميلة ناصف
في لحظة سياسية مشحونة بتقاطع الانتظارات الاجتماعية مع إكراهات الظرفية الاقتصادية، عاد ملف الحوار الاجتماعي إلى واجهة النقاش العمومي، لا باعتباره مجرد آلية للتشاور بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين، بل كاختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على إعادة بناء الثقة مع فئات واسعة من المجتمع. فانعقاد جولة يوم الجمعة 17 أبريل 2026 بالرباط، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، لم يكن حدثا عاديا ضمن روزنامة اللقاءات المؤسساتية، بل شكل محطة مفصلية تختزل رهانات مرحلة كاملة.
تأتي هذه الجولة في سياق دولي ووطني معقد، يتسم بارتفاع كلفة المعيشة، وضغوط تضخمية مستمرة، وتنامي انتظارات الطبقة المتوسطة والفئات الهشة على حد سواء. كما أنها تنعقد في ظل تراكم ملفات اجتماعية ثقيلة، من قبيل إصلاح أنظمة التقاعد، ومراجعة مدونة الشغل، وإخراج قانون الإضراب، وهي أوراش لا تحتمل مزيدا من التأجيل، نظرا لما تحمله من تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. لذلك، لم يكن مستغربا أن تتحول هذه الجولة إلى ما يشبه امتحان للحكومة قبل نهاية ولايتها، تقاس فيه ليس فقط حصيلة المنجزات، بل أيضا مصداقية الوعود والالتزامات الحكومية وقدرتها على تحويل مفهوم “الدولة الاجتماعية” من شعار سياسي إلى واقع ملموس يلامس الحياة اليومية للمواطنين.
في هذا السياق، اختارت الحكومة أن ترفع سقف تدخلها الاجتماعي عبر تعبئة غلاف مالي غير مسبوق يناهز 48.3 مليار درهم مع نهاية سنة 2026، مرشح للارتفاع إلى 49.7 مليار درهم سنة 2027، يعكس انتقال الدولة إلى ما يمكن وصفه بـ“الإنفاق الاجتماعي التوسعي”، وهو توجه يروم امتصاص التوترات الاجتماعية عبر ضخ موارد مالية مهمة في قنوات الأجور والحماية الاجتماعية. غير أن هذا الخيار، رغم أهميته، يطرح في المقابل سؤال الاستدامة المالية وقدرة الميزانية العامة على تحمل كلفته على المدى المتوسط والبعيد.
في العمق، لم يكن رفع الأجور مجرد إجراء تقني، بل شكل رافعة مركزية لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشغيلة. فقد تم إقرار زيادة عامة في الأجور بالقطاع العام بقيمة 1000 درهم صافية موزعة على مرحلتين، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية لفئات واسعة من الموظفين. كما ارتفع الحد الأدنى الصافي للأجور في هذا القطاع إلى 4500 درهم، في مؤشر واضح على محاولة تقليص الفوارق الاجتماعية وتحسين شروط العيش. هذه الدينامية أدت إلى ارتفاع متوسط الأجور من 8237 درهما سنة 2021 إلى 10600 درهم سنة 2025، وهو تطور يعكس ما يمكن تسميته بـ“إعادة هيكلة الدخل العمومي”.
أما في القطاع الخاص، فقد اختارت الحكومة مقاربة تدريجية تراعي توازنات السوق، حيث تم رفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 20 في المائة، ليصل إلى 3422.72 درهم، مقابل زيادة بنسبة 25 في المائة في القطاع الفلاحي ليبلغ 2533.44 درهم. ورغم أن هذه الزيادات تبقى دون سقف تطلعات النقابات، فإنها تعكس توجها نحو إرساء حد أدنى من العدالة الأجرية بين مختلف القطاعات، في إطار ما يمكن وصفه بـ“التقارب الاجتماعي المرحلي”.
غير أن الرهان الأكبر لم يكن فقط في الأجور، بل في ورش الحماية الاجتماعية الذي يشكل العمود الفقري للإصلاحات الجارية. فقد تم تسجيل خطوة نوعية من خلال تخفيض شرط الاستفادة من معاش الشيخوخة إلى 1320 يوما بدل 3240، وهو ما مكن آلاف الأجراء من الولوج إلى التقاعد لأول مرة، مع تطبيق الإجراء بأثر رجعي. هذا القرار يحمل بعدا تضامنيا واضحا، ويعكس انتقال الدولة من منطق الاستحقاق الصارم إلى منطق “الإنصاف الاجتماعي الموسع”. كما تم تمكين الفئات التي لم تستوف هذا الشرط من استرجاع اشتراكاتها، بما يعزز الإحساس بالعدالة ويحد من الهشاشة.
وفي موازاة ذلك، برزت مراجعة الضريبة على الدخل كأحد الأدوات الأساسية لإعادة توزيع الثروة، حيث مكنت هذه الخطوة من تحسين دخل الأجراء بأكثر من 400 درهم شهريا، بكلفة مالية تجاوزت 7.6 مليارات درهم. هذا التوجه يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ“الهندسة الجبائية الاجتماعية”، التي تهدف إلى تخفيف العبء الضريبي عن الطبقة المتوسطة وتعزيز قدرتها على الاستهلاك، بما ينعكس إيجابا على الدورة الاقتصادية.

ورغم هذا الزخم الإصلاحي، فإن مواقف الفرقاء الاجتماعيين عكست نوعا من “التفاؤل الحذر”. فالنقابات، وإن ثمنت حجم الموارد المالية المعبأة، شددت على أن الملفات الكبرى، وعلى رأسها إصلاح أنظمة التقاعد، لا تزال في حاجة إلى مقاربة شمولية تتجاوز الحلول التقنية الضيقة. كما أكدت على ضرورة حماية القدرة الشرائية في ظل استمرار الضغوط التضخمية، مع الدعوة إلى مراجعة مدونة الشغل وتعزيز الحريات النقابية.
الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ذهب أبعد من ذلك، مطالبا بإجراءات فورية تشمل زيادات إضافية في الأجور، وتسريع وتيرة الإصلاحات المرتبطة بالتقاعد، إلى جانب إخراج قانون الإضراب في صيغة توازن بين حق الاحتجاج ومتطلبات استمرارية المرافق الحيوية. كما دعا إلى مأسسة الحوار الاجتماعي عبر إطار قانوني ملزم يضمن تنفيذ الالتزامات ويحول دون تكرار منطق “الاتفاقات المؤجلة”.
في المقابل، لم يخف أرباب العمل، ممثلين في الاتحاد العام لمقاولات المغرب، تخوفهم من كلفة هذه الإصلاحات على تنافسية المقاولة الوطنية، خاصة في ظل سياق اقتصادي دولي متقلب. وقد شددوا على ضرورة مواكبة الزيادات في الأجور بإصلاحات هيكلية تعزز مرونة سوق الشغل وترفع من الإنتاجية، في إطار ما يمكن تسميته بـ“المعادلة الثلاثية” التي تجمع بين الأجر والإنتاجية والتنافسية.
من جهتها، حاولت الحكومة تقديم هذه الجولة كجزء من مسار متكامل يهدف إلى مأسسة الحوار الاجتماعي، انسجاما مع التوجيهات الملكية، حيث تم التأكيد على انتظامية اللقاءات القطاعية وضرورة إشراك مختلف الفاعلين في صياغة الحلول. كما تم الإعلان عن إجراءات مستقبلية، من بينها تقليص ساعات العمل لبعض الفئات، وإعادة هيكلة منظومة التكوين المهني المستمر، وفتح نقاش معمق حول وضعية المتقاعدين ذوي الدخل المحدود.
يمكن اعتبار جولة أبريل لحظة انتقالية أكثر منها محطة ختامية، إذ تفتح الباب أمام مرحلة أشد تعقيدا تتطلب تدبيرا دقيقا للتوازن بين البعد الاجتماعي والإكراهات الاقتصادية، وبين سقف المطالب المشروعة وحدود الإمكانات المتاحة. نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بقدرة مختلف الفاعلين على تجاوز منطق التوافقات الظرفية نحو بناء تعاقدات مستدامة تؤسس لثقة طويلة الأمد.
ورغم أهمية الأرقام المعلنة، فإن قيمتها الحقيقية تظل رهينة بمدى انعكاسها الفعلي على تحسين مستوى العيش وتقليص الفوارق الاجتماعية. فاللجوء المكثف إلى الإنفاق العمومي لامتصاص الاحتقان قد يحقق نتائج آنية، لكنه يظل محدود الأثر إذا لم يواكبه إصلاح عميق يعالج الاختلالات البنيوية من جذورها بدل تأجيلها.
التحدي المطروح اليوم يتجاوز منطق ضخ الموارد المالية، ليشمل ضرورة بناء نموذج اجتماعي متوازن يقوم على تحفيز الإنتاجية، وترسيخ عدالة جبائية حقيقية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالحوار الاجتماعي، حتى يؤدي دوره الكامل، يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية متواصلة، وآليات تنفيذ فعالة تضمن تنزيل الالتزامات على أرض الواقع.
وفي غياب ذلك، قد تجد الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة: ارتفاع في حجم الإنفاق الاجتماعي دون أثر مستدام، وتوافقات ظرفية سرعان ما تتآكل أمام أول اختبار حقيقي، ما يطرح من جديد تساؤلا جوهريا حول طبيعة المرحلة، بين إصلاح عميق يؤسس لتحول حقيقي، أو مجرد تدبير مرحلي لضغط اجتماعي متصاعد.
التعليقات مغلقة.