الاننتفاضة
في سهول الرحامنة الخصبة، حيث تتمايل أشجار الزيتون كأنها تروي للريح أسرار الأجداد، وتتنفس الأرض عطر التراب الممزوج بدماء الشهداء والأحلام المعلقة، تظهر كل موسم انتخابي طائرات ورقية غريبة. تنزل من اعلى، لا جذور لها في التربة، ولا ذاكرة تلامس نبض الوادي. إنهم «المرشحون المنزلون»، غرباء يستوطنون الرحامنة كما يستوطن الغزاة أرضا لم يزرعوها، ولا سقوها عرقا، ولا عاشوا هموم أبنائها.
هذه الظاهرة ليست مجرد خطأ إجرائي في لعبة الديمقراطية، بل هي جرح عميق في نسيج الهوية المحلية. فكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه في صورة جديدة: نخب حزبية مركزية تنزل مرشحيها كما كانت السلطة القديمة تنزل حكامها على القبائل، لا ليخدموا أهلها، بل ليخدموا الجهاز الذي أرسلهم. أما أبناء الرحامنة الذين يمارسون العمل السياسي بشرف وأخلاق، فيجدون الأبواب موصدة، والكراسي محجوزة سلفا لمن لا تربطهم بالمنطقة إلا بطاقة الحزب ووعد الولاء.
ما فائدة أن يتعاطى الإنسان السياسة إن لم تكن بابا للترقي يفتح أمامه آفاق خدمة المواطنين من مركز أعلى تأثيرا؟ أليس السياسي الحقيقي هو من ينبت من تربة معاناة شعبه، فيحمل همومه في عروقه، ويحولها إلى قرارات تلامس اليومي: الطريق المعبد، المدرسة المجهزة، المستشفى الذي لا يهجر فيه المريض، والفلاح الذي لا يبيع محصوله بثمن بخس؟ أما المنزلون فهم كالطيور المهاجرة: يحطون في موسم الانتخابات، يعدون بجنة الأصوات، ثم يطيرون بعدها إلى اماكن بعيدة، تاركين خلفهم أرضا محروقة بالخيبة.
ولنا في ذلك تجربة مرة لا تنسى. كان الكنسوسي الذي أنزل على ظهر الرحامنة كأنه غنيمة انتخابية. لم يكن له في المنطقة جذر ولا فرع، ولا حتى ذكرى طفولة تروى في مجالس الشيوخ. حملته الطائرة الحزبية، ألقته فوق السهول، فصفق له البعض، وصدقه البسطاء. ثم اختفى. لم نعد نسمع به. كأنما كان حلما سيئا انقشع مع أول شمس بعد الاقتراع. بقي الرحامنة يدفعون ثمن الوهم: عزوف متزايد، ثقة مفقودة، وهوة تتسع بين المواطن ومؤسساته.
يصرخ جيل زيد – ذلك الجيل الذي لم يعد ينتظر الوعود – رسالته بكل وضوح: «نريد ممثلينا حيث يكون لاختيارنا وقع على معيشتنا اليومية». لا نريد ممثلا يستوطن الرحامنة ليغني نفسه أو فئته. نريد من يعرف رائحة الخبز الذي يخبزه فلاحنا، ويحس ببرد الشتاء في بيوتنا الطينية، ويبكي معنا حين يحرم طفلنا من مقعد في الجامعة. أما صنع وزراء لا تربطهم بالرحامنة إلا «الظهر» الذي حملهم إلى المناصب، فهو أمر غير مهضوم و يضرب الديمقراطية في الصميم، ويحول الانتخاب من حق إلى مجرد ديكور يزين الواجهة .
إن الرحامنة ليست أرضا بلا نخب. بل هي أرض أنجبت رجالا خدموا الوطن بصدق، ونساء حملن الهم الوطني بكبرياء. لكن الأبواب تظل موصدة في وجوههم، والمناصب تحجز للغرباء. فمتى سنقطع مع تلك الممارسات البائدة؟ ومتى سننتج نخبا محلية تتماشى مع تطلعات المغاربة، لا تخدم المصلحة الشخصية ولا تعمق العزوف السياسي؟
الرحامنة تنتظر. تنتظر أن تسمع كلمتها، وأن يختار ممثلوها من أبنائها، لا أن يلقوا عليها كما تلقى الأحجار في بئر. فالديمقراطية الحقيقية لا تبدأ بصندوق الاقتراع، بل بجذور متشابكة في التراب، وقلوب تعرف أين تضرب نبض الشعب.