الانتفاضة
بمناسبة اقتراب الانتخابات البرلمانية والجماعية المقبلة، وفي سياق الاستعدادات الجارية التي يباشرها حزب بن كيران من أجل تصددر المشهد السياسي المغربي بعد انتكاسة 21، و في مشهد سياسي تتقاذفه أمواج العزوف والمقاطعة، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى المشاركة من داخل المؤسسات في ظل تحديات الفساد والريع.
وفي هذا السياق،جاء خطاب قيادة حزب “العدالة والتنمية” ليضع النقاط على الحروف، معلناً انحياز الحزب لمنهج “التدافع الديمقراطي” ورفضه القاطع لـ “سياسة المقعد الفارغ”. فما هي الأسس الفكرية والسياسية لهذا الاختيار؟
ينطلق الحزب في رؤيته من قناعة راسخة بأن المؤسسات هي الساحة الحقيقية للإصلاح.
إن “سياسة المقعد الفارغ” أو “الانتظارية” ليست مجرد غياب مادي، بل هي في العمق تخلٍ عن الواجب الوطني.
فالفراغ الذي تتركه القوى الإصلاحية لا يظل فارغاً، بل تملؤه “شبكات التحكم والفساد والريع”، مما يؤدي إلى مأسسة الفساد وتركيز الثروة وضياع مصالح المواطنين، لاسيما الفئات الهشة منهم.
لم يكن استخدام مصطلح “التدافع” عفوياً، بل هو استدعاء لعمق فقهي وسياسي يرى في الصراع بين الرؤى والبرامج سنة كونية وضرورة للإصلاح.
فالتدافع الديمقراطي هو البديل الحضاري عن الصدام، وهو المنهج الذي يسمح بمواجهة الفساد بالحجة والقانون ومن داخل القنوات الرسمية.
هذا المنهج يستند إلى قواعد فقهية أصيلة مثل “تقليل المفاسد وتكثير المصالح”؛ فالمشاركة حتى في الظروف الصعبة تظل أهون من العزلة التي تفتح الباب على مصراعيه لتبديد المال العام وتهميش الإرادة الشعبية.
إن الهدف الأسمى لهذا “التدافع” هو تعميق البناء الديمقراطي.
فالمشاركة المؤسساتية تهدف إلى:
تحسين شروط اللعبة السياسية: من خلال النضال من أجل قوانين انتخابية تضمن النزاهة والشفافية.
إضفاء الشرعية والمصداقية: عبر إفراز مؤسسات منتخبة تعبر بصدق عن تطلعات المواطنين.
بث النفس السياسي والحقوقي: إعادة الثقة للمواطن في جدوى العمل الحزبي والسياسي، وتقوية شعور الانتماء للوطن.
إن اختيار حزب العدالة والتنمية مواصلة النضال من داخل المؤسسات هو رهان على “النفس الطويل”.
فالمعركة ضد الفساد والريع ليست نزهة، بل هي مسار تراكمي يتطلب التواجد، والمراقبة، والمحاسبة.
في نهاية المطاف، يبقى “التدافع الديمقراطي” هو الخيار الصواب الذي ينعش الأمل في المستقبل، ويؤكد أن الإصلاح ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية والالتزام بالمبادئ، بعيداً عن بريق الشعارات الجوفاء أو الاستسلام لليأس والعدمية.
التعليقات مغلقة.