من يصنع عقولنا؟ حين تتحول الحقيقة إلى منتج إعلامي

0

الانتفاضة/ بقلم: ابو سعد

لم يعد السؤال اليوم:
ماذا يحدث؟
بل: ماذا يُراد لنا أن نصدق أنه يحدث؟
في زمن الصورة السريعة والخبر المختزل، لم تعد الحقيقة تُنقل كما هي، بل تُصاغ، تُقصّ، وتُقدَّم في قوالب جذابة تخدم رواية محددة. الكاميرا لم تعد أداة توثيق، بل أصبحت أداة توجيه. ومن يقف خلفها، ليس دائمًا ناقلًا محايدًا، بل صانعًا للمعنى، ومهندسًا للإدراك.
المشكلة لم تعد في الخطأ الإعلامي، بل في الخطأ المقصود. في الانتقاء الذكي للزوايا، في إخفاء نصف الحقيقة، وفي تضخيم نصفها الآخر. هكذا يُصنع “واقع بديل” يُقدَّم للمواطن على أنه الحقيقة الكاملة، بينما هو مجرد نسخة مُعدَّلة تخدم مصالح معينة.
الأخطر أن هذا التوجيه لم يعد يُفرض بالقوة، بل يُمرَّر بسلاسة. المواطن يستهلك، يشارك، ويُعيد نشر ما يُقدَّم له، دون أن يدرك أنه قد يكون جزءًا من آلة إعادة إنتاج الوهم. وهنا يتحول المجتمع من ضحية إلى شريك غير واعٍ.
أين المسؤولية؟
أين الشفافية؟
وأين احترام عقل المواطن؟
إن الاستهانة بوعي الناس لم تعد مقبولة. فالشعوب اليوم لم تعد كما كانت، والذاكرة الجماعية لم تعد قصيرة كما يظن البعض. من يراهن على التعتيم، يغامر بفقدان الثقة. ومن يعتقد أن الحقيقة يمكن دفنها، يتجاهل أن الزمن كفيل بفضحها.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس الاحتجاج، بل فقدان الثقة.
وحين يفقد المواطن ثقته في ما يُعرض عليه، فإن كل خطاب رسمي يصبح موضع شك، وكل إنجاز يفقد قيمته.
الرسالة واضحة:
إما إعلام يحترم الحقيقة… أو واقع سيفرضها رغم الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.