- الانتفاضة
في موقع استراتيجي لا يبعد سوى 15 كيلومتراً عن مركز مدينة مراكش، يقع دوار لعطاونة التابع لجماعة تمصلوحت بعمالة تحناوت، محاطاً بمشاريع سياحية كبرى مثل “فيرمونت رويال بالم” و”ساماناح” و”رويال رانش”. ورغم هذا الموقع المتميز، تعيش ساكنة الدوار التي تقارب 8000 نسمة على مساحة 65 هكتاراً، أوضاعاً صعبة جراء تأخر غير مبرر في إخراج مشروع إعادة الهيكلة إلى حيز التنفيذ، في مفارقة صارخة بين الفخامة السياحية المحيطة والمعاناة اليومية للسكان.

تعود جذور هذا الملف إلى سنة 2009، حين أعطى جلالة الملك محمد السادس انطلاقة مشروع إعادة هيكلة الدوار في إطار اتفاقية رسمية، حيث تم إجراء إحصاء أولي للساكنة وساهمت وزارة الإسكان والتجهيز آنذاك بمبلغ 300 مليون سنتيم. لكن مسار المشروع سرعان ما شهد تعقيدات كبيرة بعد ترحيل ساكنة دوار النخيل بأولاد يحيى، إضافة إلى سكان مشروع “رويال بالم”، نحو دوار لعطاونة، مما أدى إلى تضاعف عدد السكان وإلغاء الإحصاء الأول واللجوء إلى دراسة طوبوغرافية جديدة.

هذا التحول المفاجئ فرض مراجعة شاملة للمشروع، حيث رفعت شركة العمران الكلفة إلى 5 مليارات و800 مليون سنتيم لتجهيز الدوار. لكن الإشكالية التقنية الأكثر تعقيداً برزت مع عدم توفر موقع مناسب لإنشاء محطة أو حفرة لتصريف مياه الصرف الصحي المعروفة محلياً بـ”الواد الحار”، خاصة وأن الدوار محاط بمشاريع سياحية حساسة قد تتضرر من الروائح أو التلوث. وقد دخلت الشركة الجهوية متعددة الخدمات على الخط، لتبدأ سنوات طويلة من المفاوضات والمراسلات، قبل أن توافق على التدخل مشترطة إنجاز دراسة جديدة، معتبرة أن دراسة “العمران” لا تحترم المعايير التقنية المطلوبة.

وبعد سلسلة من الدراسات والتعديلات، خلصت الشركة إلى أن تكلفة الربط بشبكة التطهير السائل وحدها ستبلغ حوالي 2 مليار و800 مليون سنتيم، وهو مبلغ يتجاوز بكثير الإمكانيات المتوفرة لدى شركة العمران التي لا تملك سوى 2 مليار و100 مليون سنتيم لإنجاز المشروع بأكمله. ورغم مساهمة عدة أطراف، حيث قدمت وزارة الإسكان 300 مليون سنتيم سنة 2009، وساهم مشروع “رويال بالم” بمبلغ مليار و400 مليون سنتيم سنة 2019، والجماعة بمبلغ 400 مليون سنتيم سنة 2024، إلا أن هذا الغلاف المالي يبقى غير كافٍ لتغطية التكاليف الحقيقية.

أمام هذا الوضع، اشترطت الشركة الجهوية ضمان مستحقاتها المالية كاملة، مما دفع مديرها إلى اقتراح إبرام اتفاقية شاملة تضم جميع المتدخلين من وزارة الداخلية والإسكان والتجهيز والمالية والجهة والجماعة، من أجل تعبئة الغلاف المالي الكامل للمشروع والذي تم تحديده في 21 مليار سنتيم. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: كيف تحول مشروع إعادة هيكلة دوار إلى رقم أسطوري يصل إلى 21 مليار سنتيم؟ هل نحن أمام مشروع لتهيئة دوار عادي أم بصدد بناء مدينة جديدة بمواصفات عالمية؟

يبدو أن الشركة الجهوية قد اختارت الحل الأسهل بتضخيم الأرقام بدل تبسيط الحلول، وكأن الرسالة غير المعلنة تقول: إما أن توفروا الميزانية الخيالية كاملة أو سيظل المشروع حبيس الدراسات إلى أجل غير مسمى. وهذا المنطق لا يعكس فقط خللاً في التقدير، بل يطرح تساؤلات حقيقية حول مدى البحث عن حلول واقعية تتماشى مع انتظارات الساكنة التي لا تطلب المستحيل، بل فقط حقها في العيش الكريم. فبين تضارب الدراسات وارتفاع التكاليف وتعقيد المساطر الإدارية، يبقى مشروع إعادة هيكلة دوار لعطاونة رهين الرفوف، في وقت تنتظر فيه الساكنة بفارغ الصبر تدخلاً حازماً من السلطات، وعلى رأسها عامل الإقليم السيد المصطفى المعزة ، لوضع حد لمعاناة مستمرة منذ أكثر من 15 سنة وإخراج هذا المشروع الملكي إلى حيز التنفيذ.
التعليقات مغلقة.