قراءة في كتاب “إطلالة على غرب إفريقيا”

0

الانتفاضة // ضيف الله جالو

قرأت كتاب “إطلالة على غرب إفريقيا” باعتباري باحثا مهتما بالشأن الغرب أفريقي والبنافريقي، وكنت أترقب أن أجد فيه إضافة نوعية أو قراءة جديدة تُسهم في تجديد هذا الحقل المعرفي، غير أن ما وجدته في الحقيقة لا يتجاوز إعادة إنتاج مكررة لأدبيات مستهلكة قُتلت بحثا منذ عقود.

فالكتاب لا يقدم جديدا يذكر، بل يكتفي بسرد تقريري يعيد نفس المواضيع التقليدية: شنقيط، دخول الإسلام، وأسماء أعلام مثل أحمد بابا والسعدي ومانسا موسى، دون أي محاولة لإعادة قراءتهم نقديا أو وضعهم في سياقات تحليلية حديثة، وكأن الهدف ليس إنتاج معرفة بل تكرار ما هو جاهز ومتاح.

الأخطر من ذلك أن العمل لا يخلو من نزعة أيديولوجية واضحة تسعى إلى تضخيم دور المنتسبين إلى العروبة في نشر الإسلام في غرب أفريقيا وهو ما يظهر جليا في اختزال عملية انتشار الإسلام في “الغزوات” و”الفتوحات” وربطها بأسماء مثل عقبة بن نافع وغيره في تجاهل صارخ لما استقر عليه البحث التاريخي الحديث من أن الإسلام في هذه المنطقة انتشر أساسا بالسلم عبر التجارة العابرة للصحراء والشبكات الصوفية والتفاعل الثقافي التدريجي مع المجتمعات المحلية.

أما حديث المؤلف عن اللغة العربية فيمثل نموذجا واضحا للخلل المنهجي حيث يقرر أنها من أقدم لغات الأرض ويحدد عمرها في نحو 1600 سنة، ثم يربط ذلك بحفظ إلهي للغة ذاتها وهو خلط لا يستقيم علميًا؛ فالله تكفّل بحفظ القرآن كنص لا بحفظ اللغة العربية كنظام لغوي بشري خاضع للتطور والتغير. كما أن هذا الطرح يتجاهل تماما عمق وتنوع اللغات الإفريقية بل ويُقصيها ضمنيا من التاريخ اللغوي الإنساني وهو ما يكشف عن قصور بيّن في الإلمام باللسانيات التاريخية.

وعلى المستوى المنهجي يفتقر الكتاب إلى أبسط أدوات البحث العلمي، فلا نجد نقدا للمصادر ولا تحليلا للسياقات ولا تمييزا بين الروايات، بل مجرد سرد جامد يفتقد للروح النقدية وكأن الكاتب ينطلق من مسلّمات مسبقة يسعى إلى تثبيتها بدل مساءلتها.

حتى عنوان الكتاب جاء فضفاضا لا يعكس محتوى دقيقًا، ولو أنه حُدّد في إطار أضيق مثل دور شنقيط في نشر الإسلام أو العربية لكان أكثر انسجاما وتماسكا.

إن هذا العمل لا يمثل مجرد محاولة غير موفقة بل يعكس أزمة أعمق في الكتابة عن أفريقيا اليوم حيث يعاد إنتاج نفس الأفكار دون مساءلة، وتُكرر نفس العبارات حتى فقدت قيمتها المعرفية.
ما تحتاجه الدراسات الأفريقية اليوم ليس مزيدا من هذا التكرار، بل جرأة في الطرح وتجديد في المنهج ووعي بأن أفريقيا ليست هامشا يُكتب عنه من الخارج بل مركزا معرفيا يجب أن يقرأ من داخله بأدوات علمية دقيقة وبعيدا عن كل نزعة أيديولوجية أو مركزية موروثة.

وللإشارة فإن هذا التعليق لا يستهدف شخص المؤلف إذ لا معرفة لي به وقد يكون شيخا مسنا أو شابا في بداياته، وهذا لا يعنيني في شيء؛ فأنا أتعامل مع النص بوصفه مادة معرفية مستقلة، والنقد هنا موجه إلى ما ورد فيه من أفكار ومنهج، لا إلى الأشخاص.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.