الانتفاضة / شاكر ولد الحومة
في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة مراكش حلولاً حقيقية لأزمة النظافة التي تخنق أحياء المدينة، اختارت شركة أرما أن تقدم عرضاً آخر من عروضها المعتادة: حفل تكريم، صور تذكارية، موائد فاخرة، وهدايا توزع بسخاء.
المشهد يبدو جميلاً في الصور: عاملات يتم تكريمهن، موسيقى شعبية، حضور منتخبين وفعاليات جمعوية ورجال إعلام. لكن خلف هذه الصور البراقة يختبئ سؤال بسيط يطرحه المراكشيون يومياً: أين هي النظافة؟

مراكش بين الأزبال وحفلات العلاقات العامة
لا أحد يعارض تكريم عاملات النظافة، فهن الحلقة الأضعف في هذا القطاع، ويستحققن التقدير أكثر من غيرهن. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز التكريم إلى استعماله كستار دعائي لإخفاء واقع يعرفه الجميع:
أزبال متراكمة، نقط سوداء في أحياء عديدة، وكنس غائب رغم أن دفتر التحملات ينص على العمل سبعة أيام في الأسبوع.
بل إن المجلس الجماعي ضخ ميزانية إضافية تقدر بحوالي خمسة مليارات سنتيم لتحسين خدمات النظافة. ومع ذلك، ما زالت صور الأزبال في شوارع المدينة الحمراء تنتشر يومياً على مواقع التواصل، وكأن شيئاً لم يتغير.
منتخبون في صف الشركة بدل مراقبتها
الأدهى من ذلك هو تحول بعض المنتخبين من مراقبين للشركة إلى ضيوف دائمين في حفلاتها.
بدل مساءلة الشركة عن التزاماتها، نراهم اليوم يجلسون إلى موائدها، يلتقطون الصور مع مسؤوليها، ويتبادلون الابتسامات والهدايا.
وفي قلب هذا الملف تقف نائبة عمدة مراكش المفوض لها قطاع النظافة خديجة بحراشي، التي يبدو أنها اختارت الصمت الطويل منذ تسلمها هذا القطاع.
فكل شكاية من المواطنين تواجه بنفس الجواب البارد:
“تمت إحالة الشكاية على الفرقة المختصة لإدراجها في البرنامج.”

برنامج؟
أي برنامج هذا الذي يجعل الشكايات تختفي، والمشاكل تتراكم، والمدينة تغرق في الأزبال؟
المتابعون للشأن المحلي يعرفون جيداً أن القرار في هذا الملف ليس بيد النائبة وحدها، بل يمر عبر حسابات سياسية معقدة، حيث يقال إن أي خطوة تحتاج إلى ضوء أخضر من خليفة العمدة خديجة الطالبي.
جمعيات الأمس… شركاء اليوم
المشهد الأكثر إثارة للسخرية هو حضور بعض من يسمون أنفسهم فعاليات المجتمع المدني.
هؤلاء الذين كانوا بالأمس القريب يملؤون صفحات فيسبوك بالانتقادات لشركات النظافة، ويتحدثون عن الكارثة البيئية التي تعيشها المدينة.
اليوم، نفس الوجوه تجلس إلى جانب مسؤولي الشركة في حفلات التكريم، توزع الهدايا، وتلتقط الصور، وتشارك في الولائم.
هكذا ببساطة…
تحول النقد إلى مجاملة، وتحول الاحتجاج إلى علاقات عامة.
إعلام صامت… لماذا؟
أما الإعلام، فقصته قصة أخرى.
مدينة تعيش أزمة نظافة واضحة، لكن بعض المنابر تكتفي بنشر صور الحفلات والتكريمات، وكأن المدينة تعيش أفضل أيامها.
السؤال الذي يطرحه المواطنون بمرارة:
هل أصبح بعض الإعلاميين أصدقاء لمدير الشركة؟
أم أن الإعلانات والعلاقات الخاصة كافية لإسكات الكاميرات والأقلام؟

عندما يصبح مدير الشركة رجل علاقات سياسية
المفارقة أن مدير الشركة لم يعد فقط مسؤولاً عن النظافة، بل تحول عملياً إلى مدير للعلاقات السياسية والجمعوية:
دعوات، حفلات، هدايا، جوائز، وموائد تجمع المنتخبين والجمعيات وحتى بعض المؤثرين.
النتيجة؟
صمت شبه جماعي.
حتى شركات المراقبة التي تتقاضى أموالاً طائلة لم تعد تقوم بدورها كما ينبغي.
فالجميع يجلس على نفس الطاولة، والجميع يستفيد بطريقته الخاصة.
من يمول هذه الولائم؟
ويبقى السؤال الأخطر:
من أين تأتي أموال هذه الحفلات؟
هل هي من مال الشركة؟
أم من الميزانيات المخصصة في العقد للأنشطة الاجتماعية والتحسيسية؟
وإذا كان الأمر كذلك، فالمواطن المراكشي من حقه أن يعرف:
هل تُصرف هذه الأموال لتحسين الخدمة أم لتنظيم حفلات العلاقات العامة؟

الحقيقة التي لا يريد أحد قولها
الحقيقة المؤلمة أن مشكلة النظافة في مراكش لم تعد مجرد مشكلة تقنية.
لقد تحولت إلى شبكة من المصالح المتشابكة بين شركة، منتخبين، جمعيات، وبعض الإعلاميين.
وعندما يجلس الجميع على نفس المائدة، يصبح من الصعب أن نجد من يطرح السؤال الحقيقي:
من يحاسب من؟
مدينة بحجم وتاريخ مراكش لا تحتاج إلى حفلات تلميع، بل إلى إرادة حقيقية للمحاسبة والشفافية.
لأن الأزبال لا تختفي بالتصفيق…
ولا تُكنس بالصور التذكارية.