الصحراء المغربية: حينما تتحطم “دبلوماسية الشيكات” على صخرة السيادة.

0

الانتفاضة/ الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما

إن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي ملحمة شعب وتاريخ أمة صمدت في وجه تكتلات جيو-سياسية معقدة لعقود من الزمن. فمنذ استرجاع الأقاليم الجنوبية، واجهت المملكة المغربية تحالفات إقليمية شرسة، حيث سخرت الجارة الجزائر إمكانات هائلة لتمويل وتسليح جبهة البوليساريو، مدفوعة بأجندات الهيمنة التي حاولت استنزاف المملكة عسكريا واقتصاديا. ورغم خوض حرب ضروس دامت ستة عشر عاما، لم ينكسر عزم الابطال المغاربة، بل ظلوا صامدين أمام طعنات الجوار وغدره ومناورات بعض الأشقاء التي مالت مع رياح الحرب الباردة آنذاك.

لقد كان الجرح الأشد إيلاما هو نكران الجميل من أطراف تقاسمت مع المغرب وحدة المصير، سواء من الجانب الموريتاني الذي اتسمت مواقفه بالتردد والانسحاب، أو من ليبيا القذافي التي أغدقت السلاح والمال لزعزعة استقرار المملكة. حتى داخل البيت الواحد، وجد المغرب نفسه يواجه بعض أبنائه من مدينة طنطان الذين غرر بهم الفكر الانفصالي وأسسوا كيانا وهميا بدعم ومباركة نظامي قذافي ليبيا وبومدين الجزائر، مما جعل الصراع يأخذ بعدا إنسانيا وأخويا مريرا، لكن الدولة المغربية استوعبت هذه الهزات بحكمة وتبصر، مراهنة على طول النفس التاريخي وعدالة القضية.

على الصعيد القاري، عانت المملكة من دبلوماسية الشيكات التي مارسها خصوم الوحدة الترابية، مما أدى إلى اعترافات متسرعة من دول أفريقية بكيان لا يملك مقومات الدولة. هذا الظلم المؤسساتي دفع المغرب للانسحاب من منظمة الوحدة الأفريقية، لكنه لم ينسحب من أفريقيا كعمق استراتيجي، بل عاد إليها بعد سنوات من العمل الدؤوب ليصحح المسار من الداخل، مستندا إلى الحقائق الجغرافية والروابط الروحية المتجذرة التي تربط سلاطين المغرب بقبائل الصحراء وما وراءها.

اليوم، تقطف بلادنا ثمار سياسة الصبر والمثابرة التي أرسى دعائمها المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، ويواصل ترسيخها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، حيث انتقلت المملكة من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة وفرض الأمر الواقع. فالاحترافية الدبلوماسية المغربية استطاعت محاصرة الأطروحة الانفصالية في أضيق زواياها، محولة الملف من نزاع مسلح إلى نقاش سياسي رصين يرتكز على السيادة الوطنية. لقد أثبت التاريخ أن الحق الذي وراءه مطالب لا يموت، وأن الإصرار المغربي كان أقوى من كل التحالفات العابرة.

يبرز مشروع الحكم الذاتي، الذي توج بالقرار الأممي رقم 2797، كحل وحيد وواقعي وجاد ينهي هذا النزاع المفتعل. هذا المقترح لم يأت من فراغ، بل هو نتاج رؤية ملكية ثاقبة تضمن لسكان الأقاليم الجنوبية تسيير شؤونهم في إطار السيادة المغربية، وهو ما حظي بإشادة دولية واسعة. لقد اقتنع المنتظم الدولي بأن استقرار المنطقة مرتبط بقوة المغرب ووحدته، مما جعل الحكم الذاتي هو السقف الوحيد للمفاوضات التي تجري تحت إشراف مباشر من أعلى سلطة في البلاد.

إن التحول الجذري في الموقف الأمريكي، والاعتراف الصريح بمغربية الصحراء، شكل نقطة تحول كبرى قلبت موازين القوى. فالمفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، وبجانبها دول عظمى كفرنسا وإسبانيا، تؤكد أن ملف الصحراء قد حسم فعليا على أرض الواقع وفي أروقة الدبلوماسية الكبرى. هذا الزخم الدولي يعطي طمأنينة كاملة للشعب المغربي بأن ساعة النصر النهائي قد دقت، وبأن خريطة المملكة كاملة غير منقوصة هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل القسمة.

المثير للاهتمام هو موجة التراجعات التي نشهدها اليوم من دول وجهات كانت بالأمس القريب في صف الخصوم. لقد أدرك الكثيرون ممن ظلموا الشعب المغربي أن المراهنة على الوهم خاسرة، وأن المغرب ملكا وشعبا كتلة واحدة لا يمكن اختراقها. هذا التراجع ليس مجرد تغيير في المواقف السياسية، بل هو اعتراف ضمني بعظمة هذا الشعب الأبي الذي واجه المؤامرات بالعمل، والحروب بالتنمية، والظلم بالصبر الجميل حتى انبلج فجر الحقيقة.

في الأخير، يظهر جليا أن ملف الصحراء المغربية قد دخل مرحلة القطف النهائي، حيث تلاشت الأساطير الانفصالية أمام بريق المنجزات التنموية في العيون والداخلة وبوجدور والسمارة. إن القيادة المباشرة لجلالة الملك لهذا الملف جعلت من كل مغربي جنديا في معركة الوعي والبناء، وما نراه اليوم من اعترافات دولية متتالية هو ثمرة شرعية لمسيرة خضراء متواصلة لا تنتهي إلا بتحقيق الرخاء الشامل لكل ربوع المملكة من طنجة إلى الكويرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.