الانتفاضة
في إنجاز ثقافي جديد يعكس الحيوية التي باتت تميز المشهد المسرحي المحلي، بصمت فرقة سوار شيشاوة على حضور لافت خلال فعاليات الملتقى السياحي والثقافي الدولي، الذي احتضنته مدينة أكادير على مدى ثلاثة أيام، من 27 إلى 29 مارس 2026، بمشاركة فرق مسرحية من داخل المغرب وخارجه. وقد تمكنت الفرقة من انتزاع الجائزة الكبرى للمهرجان عن عرضها المسرحي “الهندريزة”، مؤكدة بذلك مكانتها المتنامية ضمن خارطة الإبداع المسرحي الوطني.
وجاء هذا التتويج تتويجًا لعمل فني متكامل، استطاع أن يجمع بين قوة النص وجمالية الإخراج وصدق الأداء، حيث قدمت الفرقة عرضًا يحمل نفسًا إبداعيًا يعكس انشغالات اجتماعية وإنسانية بلغة مسرحية واعية، نجحت في ملامسة ذائقة الجمهور واستقطاب اهتمام لجنة التحكيم. وقد تميز العرض بتماسك عناصره الفنية، من سينوغرافيا محكمة إلى أداء تمثيلي منضبط، ما جعله يحظى بإشادة واسعة ويترجم إلى تتويج مستحق.

ولم يقف التألق عند حدود العمل الجماعي، بل امتد ليشمل تتويجات فردية أكدت بدورها جودة التجربة، حيث نال كل من ياسين البكري ويوسف راشدي جائزة أحسن تشخيص (ذكور) مناصفة، تقديرًا لما قدماه من أداء احترافي عكس قدرة عالية على تقمص الأدوار وإيصال الأبعاد الدرامية للشخصيات. كما توج نورالدين فوينتي بجائزتي التأليف والإخراج، في تأكيد واضح على بصمته الإبداعية التي طبعت العمل برؤية فنية متكاملة، جمعت بين عمق الكتابة ودقة الاشتغال الإخراجي.
ويكتسي هذا التتويج أهمية خاصة بالنظر إلى الطابع الدولي للمهرجان، الذي عرف مشاركة فرق من دول أوروبية إلى جانب تجارب مغربية متنوعة، ما أضفى على المنافسة مستوى عالٍ من الاحترافية والتنوع الفني. وفي هذا السياق، يبرز فوز فرقة قادمة من إقليم شيشاوة كدليل على التحولات التي يشهدها المسرح المغربي، حيث باتت الفرق المحلية قادرة على فرض حضورها بقوة، مستندة إلى اجتهادات ذاتية ورهانات فنية جادة.

ويؤكد هذا الإنجاز أن المسرح الشيشاوي يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ موقعه ضمن المشهد الثقافي الوطني، مستفيدًا من طاقات شابة تؤمن بقيمة الفن كأداة للتعبير والتغيير. كما يعكس في الآن ذاته الحاجة إلى مواكبة هذا الزخم الإبداعي بدعم مؤسساتي أكبر، بما يضمن استمرارية هذه التجارب وتوسيع إشعاعها، خاصة وأن مثل هذه النجاحات تساهم في إبراز صورة إيجابية عن الأقاليم الصاعدة ثقافيًا.
وبهذا التتويج، لا تكتفي فرقة سوار شيشاوة بإضافة لقب جديد إلى رصيدها، بل تكرس مسارًا فنيًا واعدًا، يؤشر على أن الإبداع الحقيقي قادر على تجاوز الحدود الجغرافية وفرض نفسه في مختلف المحافل، متى توفرت له الإرادة والرؤية والاشتغال الجاد.