حين تفشل السياسات… المدرسة تدفع الثمن.. أو سيزيف الإصلاح الذي لا يصل

الانتفاضة // عبد الصمد بن الشريف

لم يعد الحديث عن إصلاح منظومة التربية والتعليم في المغرب مجرد نقاش عمومي عابر، بل تحول إلى ما يشبه ورشًا دائمًا لا ينتهي.

فمنذ عقود، تعاقبت المشاريع، وتناسلت المخططات، وتكاثرت اللجان، وتوالت المناظرات، حتى صار الإصلاح نفسه ظاهرة مغربية قائمة بذاتها. غير أن هذا الزخم الكمي لم يُفضِ، إلى تحول نوعي عميق، بل أفرز مفارقة صارخة: كثافة في التشخيص مقابل ندرة في النتائج.
لقد انتقل النقاش من البحث عن حلول إلى إعادة إنتاج الأسئلة نفسها حول الأزمة. ومن اقتراح البدائل إلى تدوير التوصيات ذاتها.

وهكذا، أضحت المدرسة العمومية، بدل أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة وتكافؤ الفرص، موضوعًا لتجارب متكررة، أقرب في وضعها الحالي إلى ” مشهد سيزيفي” حيث تجد نفسها كل مرة في نقطة الصفر.

فبين الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والمخطط الاستعجالي، والرؤية الاستراتيجية، وصولًا إلى القانون الإطار، لم يتحقق التحول البنيوي المنشود، وظلت مؤشرات المردودية والجودة والفعالية في مستويات مقلقة، فيما ازدادت إشكالية لغات التدريس تعقيدًا وإرباكًا.
الأخطر من ذلك أن الأزمة لم تعد مجرد اختلالات جزئية، بل باتت بنيوية تمس جوهر المنظومة. فالتوافق الحاصل بين مختلف الفاعلي – من دولة وحكومة وأحزاب ونقابات وأطر تربوية وأس – حول طبيعة الأزمة، لم يُترجم إلى توافق مماثل حول سبل الخروج منها.

وهنا تكمن إحدى مفارقات الإصلاح في المغرب: إجماع على التشخيص، يقابله عجز عن الفعل.
في هذا السياق، يأتي تقرير اليونسكو لسنة 2026 ليؤكد، بالأرقام والمعطيات، عمق هذه الأزمة واستمرارها. صحيح أن المغرب نجح في تقليص عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس من أكثر من مليوني طفل سنة 2000 إلى نحو 570 ألفًا سنة 2023، وهو إنجاز لا يمكن إنكاره، لكنه لا يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا يتعلق بجودة التعلم واستمرارية المسار الدراسي.
فالأرقام تكشف نزيفًا حادًا عبر مختلف المستويات التعليمية: 16% من التلاميذ لا يتمون المرحلة الابتدائية، و53% لا يكملون الإعدادي، و74% يغادرون قبل إنهاء التعليم الثانوي، ما يعني أن حوالي 26% فقط من التلاميذ يصلون إلى شهادة البكالوريا. هذا التدرج في الهدر يعكس خللًا هيكليًا لا يرتبط فقط بالولوج إلى المدرسة، بل بقدرتها على الاحتفاظ بالتلاميذ وضمان نجاحهم.
كما يشير التقرير إلى استمرار وجود عشرات الآلاف من الأطفال خارج المنظومة: 48 ألفًا في الابتدائي، و86 ألفًا في الإعدادي، و418 ألفًا في الثانوي التأهيلي. وهي أرقام تؤكد أن تعميم التعليم، رغم التقدم النسبي، لا يزال هدفًا غير مكتمل.
أما على مستوى الجودة، فالصورة أكثر قتامة.

إذ إن 59% من التلاميذ لا يحققون الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة عند نهاية المرحلة الابتدائية، وترتفع النسبة إلى 78% في الرياضيات. وفي الإعدادي، تتراجع المؤشرات بشكل حاد، حيث لا تتجاوز نسبة المتحكمين في الحد الأدنى 19% في القراءة و18% في الرياضيات، ما يعني أن أكثر من 80% من التلاميذ دون المستوى المطلوب. هذه الأرقام لا تعكس فقط ضعف التعلمات، بل تهدد بإنتاج أجيال تعاني من هشاشة معرفية عميقة.
ولا تقف الاختلالات عند هذا الحد، بل تتعمق بفعل الفوارق المجالية والاجتماعية.

فالتلميذ في الوسط القروي يواجه صعوبات مضاعفة في استكمال دراسته، خاصة بعد المرحلة الابتدائية، فيما ترتبط فرص الاستمرار في التعليم الإعدادي والثانوي بشكل وثيق بالوضع الاقتصادي للأسرة.

وهنا تتجلى المدرسة، بدل أن تكون أداة للإنصاف الاجتماعي، كفضاء يعيد إنتاج الفوارق نفسها.
أمام هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل إصلاح التعليم في المغرب مهمة مستحيلة، أم أن العطب يكمن في غياب إرادة سياسية حاسمة؟
الجواب، على الأرجح، لا يتعلق بندرة الحلول، بقدر ما يرتبط بطبيعة المقاربة المعتمدة.

فالإصلاح لم يكن يومًا مسألة تقنية صرفة، بل هو خيار سياسي بامتياز. وعندما يُختزل في إجراءات جزئية أو حسابات ظرفية أو توازنات إيديولوجية، فإنه يفقد قدرته على إحداث التحول.
إن إنقاذ المدرسة العمومية يمر، قبل كل شيء، عبر إعادة بناء الثقة فيها. وهذه الثقة لا تُستعاد بالشعارات، ولا بتكاثر التقارير، بل بقرارات شجاعة تعيد الاعتبار لوظيفة المدرسة، وتضمن استقرار السياسات التعليمية، وتضع الجودة في صلب الأولويات، بعيدًا عن منطق التجريب المستمر.
فالتعليم ليس قطاعًا كباقي القطاعات، بل هو رافعة مركزية لأي مشروع تنموي أو حداثي.

وإذا استمر التعامل معه بمنطق التدبير المرحلي، فإن الأزمة مرشحة لأن تتعمق أكثر، بما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية باهظة.
في الختام قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا فشلت الإصلاحات؟
بل: متى يتحول إصلاح التعليم من شعار متكرر إلى قرار سيادي حاسم؟.

التعليقات مغلقة.