حين يتحول السؤال إلى فضيحة مهنية

الانتفاضة // العزيز بن صالح

بالصدفة، قد تستمع إلى حوار صحافي، لكنك تخرج منه بانطباع لا علاقة له بالضيف بقدر ما يتعلق بالمحاور نفسه.

هذا ما يحدث حين يختل التوازن بين طرفين: سياسي متمرّس يملك أدوات الخطاب، ومحاور يفتقد لأبسط تقنيات السؤال.
في حوار مع نبيل بن عبد الله، لم تكن المشكلة في اختلاف وجهات النظر، بل في الطريقة التي أُدير بها النقاش.

لحظة واحدة كانت كافية لتكثيف الأزمة: حين انزلق المحاور إلى صياغة سؤال يفهم منه أن بلاغًا رسميًا يمكن وصفه بالكذب.

حتى لو لم يكن القصد حرفيًا، فإن اللغة في العمل الصحافي ليست مجالًا للنوايا، بل للمسؤولية.
المشكلة هنا أعمق من زلة لسان. إنها تعبير عن خلل في فهم معنى المحاورة الصحافية.

فالسؤال ليس جملة عابرة تُلقى كيفما اتفق، بل هو أداة دقيقة تُبنى على معرفة وسياق وتقدير للمآلات.

في العلوم السياسية كما في الإعلام، هناك قاعدة أساسية: من لا يملك أدوات السؤال، لن يحصل على أجوبة ذات قيمة.
الصحافي المحترف لا يذهب إلى الحوار ليُثبت أنه حاضر، بل ليكشف ما هو غائب.

وهذا لا يتم بالصراخ أو المقاطعة أو الاستفزاز المجاني، بل عبر صياغة ذكية تضع الضيف أمام مسؤوليته دون أن تسقط في فخ الأحكام الجاهزة.
هناك فرق شاسع بين أن تسأل: “هل البلاغ كاذب؟”
وبين أن تقول: “كيف تفسرون ما ورد في البلاغ الرسمي مقارنة بتصريحاتكم؟”
في الصيغة الأولى، أنت لا تسأل، بل تحاكم.
وفي الثانية، أنت تفتح بابًا للحقيقة.
المحاورة الصحافية ليست استعراضًا للعضلات، بل اختبار للذكاء. المقاطعة مثلًا، ليست دليل قوة، بل قد تكون دليل ارتباك إن لم تُستعمل في لحظتها المناسبة.

والإثارة الرخيصة قد تجلب مشاهدات، لكنها تقتل المصداقية.
لقد أصبحنا أمام ظاهرة مقلقة: تضخم في الألقاب، وتراجع في الكفاءة. كثيرون يقدمون أنفسهم كـ“دكاترة” أو “محللين”، لكنهم يعجزون عن صياغة سؤال بسيط يحترم قواعد المهنة. وهنا لا تُهان السياسة فقط، بل يُهان الإعلام نفسه.
القاعدة بسيطة:
السؤال الجيد نصف الجواب.
والمحاور الجيد هو من يجعل ضيفه يتحدث، لا من يكشف عن ضعفه هو.
في النهاية، لا يمكن لإعلام بلا أدوات أن يُنتج وعيًا. ولا يمكن لمحاور لا يحترم السؤال أن يحترم المشاهد.

لأن أول درجات الاحتراف… سؤال.

التعليقات مغلقة.