الانتفاضة/ بقلم عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…﴾ ليست مجرد آية تُتلى، بل مرآة حقيقية تكشف وجوهًا سياسية أتقنت الخطاب وأخفقت في الأمانة. وعندما نُسقطها على التجربة الحكومية التي قادها عبد الإله بنكيران وواصلها سعد الدين العثماني، فإننا لا نمارس التجني، بل نقرأ الواقع كما عاشه المغاربة.
من “محاربة الفساد” إلى إطلاقه
باسم الإصلاح، رُفعت شعارات كبيرة، لكن ما حدث فعليًا كان العكس تمامًا:
-تحرير سوق المحروقات تم دون آليات حقيقية للضبط والمراقبة، فصار المواطن رهينة لجشع الشركات، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام لوبيات تستنزف جيوب المغاربة يوميًا.
-تم إصلاح صندوق المقاصة بطريقة قاسية، حُمّلت فيها كلفة “الإصلاح” للفئات الشعبية، دون أن تُمس الامتيازات الكبرى أو تُفتح ملفات الريع.
-تم إنقاذ مؤسسات عمومية كالمكتب الوطني للكهرباء عبر أموال الشعب، بينما ظل السؤال معلقًا: من حاسب المسؤولين عن الاختلالات؟
هنا تتجلى خطورة ما تشير إليه الآية: خطاب إصلاحي جذاب، لكن نتائجه الواقعية كانت توسيع دائرة المعاناة.
فتح الأبواب للوبيات بلا مقاومة
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل تم خلال هذه المرحلة:
فتح المجال أمام لوبيات الصحة التي حولت المرض إلى تجارة، والمواطن إلى زبون في سوق مفتوح بلا رحمة
تفكيك المدرسة العمومية تدريجيًا لصالح تعليم خاص يتغول سنة بعد أخرى
إضعاف دور الدولة كحامٍ اجتماعي، وتحويلها إلى وسيط يترك المواطن يواجه مصيره
هذه السياسات لم تكن مجرد أخطاء، بل اختيارات مهدت الطريق أمام هيمنة المال على القرار السياسي.
التطبيع… والصدمة الأخلاقية
في لحظة فارقة، جاء توقيع اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل 2020 خلال ولاية سعد الدين العثماني، ليشكل صدمة أخلاقية وسياسية عميقة، خاصة وأنه صدر عن حزب ظل يقدم نفسه كمدافع عن القضايا العادلة وعلى رأسها فلسطين.
هذا القرار لم يكن تقنيًا، بل زلزال في المصداقية:
خطاب سابق يرفض.
وممارسة لاحقة تُوقّع.
وهنا يظهر بوضوح معنى: “يُشهد الله على ما في قلبه”… بينما الأفعال تقول شيئًا آخر.
تفاصيل صغيرة لكنها موجعة
سياسات هذه المرحلة لم تكن فقط في القرارات الكبرى، بل حتى في تفاصيل الحياة اليومية:
الساعة الإضافية التي فُرضت رغم رفض شعبي واسع، وضربت التوازن الاجتماعي للأسر
تبرير كل القرارات القاسية باسم “الإصلاح” و”الضرورة”
تحويل المواطن إلى الحلقة الأضعف دائمًا
من مهّد الطريق؟
النتيجة الطبيعية لكل ذلك كانت تهيئة الأرضية لوصول تحالف المال والسلطة بشكل أكثر وضوحًا مع عزيز أخنوش، حيث لم يعد النفوذ الاقتصادي مجرد تأثير، بل أصبح هو نفسه مركز القرار.
بمعنى آخر:
ما نعيشه اليوم ليس انفصالًا عن الماضي، بل امتداد له.
أخطر ما في الأمر: الخداع الأخلاقي
المشكل لم يكن فقط في السياسات، بل في توظيف الدين لإضفاء الشرعية عليها:
خطاب ديني لتمرير قرارات اجتماعية قاسية
دعوة الناس للصبر، بينما الامتيازات محفوظة لفئة قليلة
خلط متعمد بين التقوى والسياسة
وهنا تضرب الآية في العمق:
الكلمة الجميلة لا تكفي إذا كانت الأفعال تناقضها.
هل تكفي الذاكرة لمحاسبة الجميع؟
اليوم، محاولة العودة إلى المشهد السياسي بنفس الوجوه ونفس الخطاب تطرح سؤالًا حادًا:
من سيحاسب على تحرير المحروقات؟
من سيحاسب على ضرب القدرة الشرائية؟
من سيحاسب على فتح الأبواب للوبيات؟
من سيحاسب على القرارات التي مست كرامة المواطن؟
الخلاصة
ما وقع لم يكن مجرد أخطاء تدبير، بل منعطف خطير في العلاقة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي.
مرحلة رفعت شعار الإصلاح لكنها:
أطلقت يد السوق بلا ضوابط
أضعفت الحماية الاجتماعية
ومهّدت الطريق لهيمنة المال
والأخطر أنها فعلت ذلك باسم الأخلاق والدين.
وهنا يبقى تحذير الآية قائمًا:
ليس كل من أحسن الكلام صادقًا… ولا كل من استشهد بالقيم ملتزمًا بها.
من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى.
التعليقات مغلقة.