رمضان بين العادة والعبادة

الانتفاضة // الشيخ الدكتور // محمد عز الدين توفيق

أحبّ أولاً أن أقول إن العادات هي السلوكات التي يمارسها الناس في حياتهم اليومية؛ فالإنسان في جانب كبير منه مجموعة من العادات. وهذه العادات مرِنة قابلة للتغيير؛ تدخل عادات وتخرج أخرى، يكتسب الإنسان عادات جديدة ويفقد أخرى، حتى يمكن القول إن الإنسان ـ في جانب من سلوكه ـ هو مجموعة من العادات التي تعيش على الأرض.
وعندما نتحدث عن رمضان بين العادة والعبادة، ينبغي أولاً أن نُحدّد معنى العادة، ثم نُبيّن معنى العبادة.
فالعادة هي هذا السلوك الإنساني المتكرر، لكن عندما يوضع هذا السلوك على سكة الشرع، وعندما يُضبط بمنهج الإسلام، فإنه يرتقي من مجرد عادة إلى عبادة.
ومن هنا يمكن أن نقول: إن العادات ينبغي أن تتحول إلى عبادات، وأن تتحول العبادات بدورها إلى عادات راسخة في حياة المسلم.
فبعض الناس يظن أن العادة قد تطغى على العبادة أو تضعفها، والحقيقة أن المطلوب هو العكس؛ أي أن نُحوِّل العادة إلى عبادة بالنية الصالحة واتباع هدي الشرع. فأنشطتنا اليومية مثل الأكل والشرب واللباس والعمل والزواج والعلاقات الاجتماعية والزيارات، كلها يمكن أن تتحول إلى عبادات إذا استحضر فيها المسلم نية التقرب إلى الله تعالى والتزم فيها حدود الشرع.
وفي المقابل، ينبغي أيضاً أن تتحول العبادة إلى عادة ثابتة في حياة المسلم، أي أن يداوم عليها حتى تصبح جزءاً من نظام حياته. فمثلاً: يبدأ الإنسان بصيام بعض الأيام تطوعاً حتى يألف الصيام ويعتاده، فيصير ذلك سلوكاً راسخاً لديه. وكذلك الأمر في تلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، والمحافظة على الصلاة في المسجد، والإنفاق في سبيل الله، والكلمة الطيبة، وسائر الأعمال الصالحة.
فرمضان مدرسة يتعلم فيها المسلم كيف يحتسب أفعاله العادية عبادات، وكيف يجعل العبادات عادات راسخة لا يتركها ولا ينقطع عنها.
ومن جهة أخرى، ينبغي أن تصبح العبادة عادة مستمرة لا تنقطع، خاصة العبادات المتكررة؛ فالصلاة خمس مرات في اليوم، ورمضان مرة في كل عام، والذكر وتلاوة القرآن أعمال تتجدد في حياة المسلم باستمرار. وكثير من الناس يُقبلون على الطاعات في رمضان إقبالاً عظيماً من صلاة وقيام وعبادة، لكن المشكلة تظهر بعد رمضان عندما يحدث الانقطاع والتوقف.
ولهذا فإن رمضان ينبغي أن يكون فرصة لتحويل العادة إلى عبادة، وتحويل العبادة إلى عادة دائمة؛ حتى يبقى أثر رمضان حاضراً في حياة المسلم بعد انقضائه، ويستمر على طريق الطاعة والقرب من الله تعالى.

التعليقات مغلقة.