قصيدة ليلة القدر

للشيخ المرحوم أحمد سهوم

الإنتفاضة   //. بقلم : ذ عبد الجليل بـادزي 

شيخ فذ من أشياخ الشعر الملحون، وقامة عالية من قامات الكتابة الشعرية، والبحث الأدبي، وإنشاد القصائد، إضافة إلى جهوده الإعلامية التي أعطى من خلالها الشيء الكثير للشعر الملحون خاصة، والتراث بصورة عامة، إنه شخصية لا تتكثر، اجتمع فيه ما تفرق في غيره، فجاء داهية في المجالات التي ذكرناها، وللحقيقة أقول، إنه رجل استثنائي، ما أظن أن الزمان سيجود بمثله مرة أخرى رحمه الله تعالى، إنه الشيخ الأديب والرجل الألمعي: الحاج أحمد سهوم.
يقول عن نفسه وهو يتحدث عن سيرة حياته في كتابه الملحون المغربي: “ولدت عام 1936 بفاس الجديد، من أمي عائشة بنت العربي، والملقبة ب”الغمرية”، ومن والدي سيدي محمد بن علي الفيلالي، غير أني لا أتذكر جيدا ملامحه، وإن كنت أسمعهم يقولون عنه بأنه كان عازفا ماهرا على الكمان لأغاني المرساوي {العيطة}، وأنه كان يتوفر على مخزون ثقافي، وعندما توفي لم يترك وراءه من متاع الدنيا سوى “الغمرية”، وأربعة ذكور هم حمان والعربي وعبد العزيز الذي لم يعش طويلا، وأحمد سهوم آخر المصران، وأختنا جمعة، والذي أتذكره أيضا هو أن عائلتنا كانت فقيرة جدا.
كانت بجانب دارنا امرأة ميسورة الحال، لكنها لم تكن تنجب أطفالا، ولما كانت أمي على علاقة وثيقة وطيبة بهذه السيدة، فقد ألفيتني ذات يوم تحت رحمتها، ولا أدري ما إذا كانت أمي قد أهدتني لها أم أجرتني لها.
… ويبدو أن تقلبات الحياة، وسنين التشرد لم تنجح في انتشاله من عالم الملحون، فقد صادف ذات يوم، عندما كان يغني بعض قصائد الملحون، أن سمعه السيد إدريس العلمي، وهو يومئذ من هو في شعراء الملحون، فأعجب بصوته، وقرر إسناد قصائده إليه ليغنيها بصوته، ومن يومها أصبح إدريس العلمي شيخ أحمد سهوم في الملحون.
لقد تعلم أحمد سهوم داخل السور بفاس القديمة، وبالضبط في حي مولاي عبد الله، المبادئ الأولى لحرفة الخرازة في دكان الخراز محمد الطالب، وفي هذا الدكان كان يجتمع الناس من مختلف المستويات والاهتمامات، يتبادلون الفن والعلم والأفكار الوطنية، وجديد الأخبار المحلية والدولية، فكنت تجد في هذا الدكان الأمراء من مثل الأمير مولاي الأمين، والأمير مولاي مصطفى الحافظي، والأمير مولاي عبد السلام ولد مولاي عثمان ـ الخليفة السلطاني بفاس يومئذ، وكنت تجد إلى جانبهم العلماء والفقهاء، ومان يتردد عليه المرحومان علال الفاسي، ومحمد بلحسن الوزاني قبل أن تفرقهما السياسة.
كان ذلك بين سنوات 1945 و1947م، قبل سفر المرحوم محمد الخامس إلى مدينة طنجة سفرته المشهورة، في تلك الفترة، التحق أحمد سهوم بمدرسة القرويين، لكن سلطة الملحون عليه كانت قوية، فقد ترسبت في وجدانه كأمواج جارفة، ولم يشعر طالب القرويين إلا وهو محاصر من كل جانب بالملحون، يقرؤه ويفسره، باحثا عن مصادره وروافده، منشغلا به إلى درجة التصوف، هكذا بدأت رحلة أحمد سهوم مع الملحون.
وفي كتابه معلمة الملحون، يقول عنه الأستاذ محمد الفاسي أنه من الشعراء المعاصرين، وهو من أهل فاس أصله من تافيلالت ويسكن بسلا، في شعره يتطرق لبعض المواضيع الحديثة، وله اطلاع واسع على الملحون ويتذوقه ويعرف كيفية تقديمه للجمهور في الأحاديث التي يذيعها بالإذاعة المغربية.
كان على رأس المكتب الخاص بالملحون الذي أنشأه الأستاذ محمد الفاسي لما كان وزير الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية والتعليم الأصلي، سهر أيضا على التحضير للمؤتمر التأسيسي لجمعية هواة الملحون بمراكش، وقد نجح نجاحا مبهرا.
والحاج أحمد سهوم إلى هذا، كان شاعرا كبيرا، تطاوعه اللغة حتى يصنع منها ما يشاء، وكان رحمه الله يتنفس الملحون، وكل كلامه ـ وهو يحدثك بطريقة عادية ـ تجده يقول شعرا، صوره جميلة رائعة، شبيهة بالدوائر الماسية، وإذا جاز لنا أن نشبهه بشاعر في شاعريته، فهو شبيه بالشاعر “مالارمايه”.
سنطلع اليوم على نموذج من كتابته الشعرية، وذلك من خلال رائعة من روائعه الدينية تحت عنوان “ليلة القدر”، التي نتطرق قبل الدخول لمجاهلها إلى مفارقة غريبة حولها، فقد ضمنتها أكاديمية المملكة المغربية أثناء طبعها لدواوين بعض أشياخ الملحون، ضمنتها أولا لديوان الشيخ “إدريس بن علي السناني”، قبل أن تضعها مرة أخرى بديوان الشيخ “الحاج أحمد سهوم”، وكان الشيخ الكراح الحسين التولالي رحمه الله قد أنشدها، ونسبها للشيخ إدريس بن علي، لكن المتأمل والعارف بنفس الشيخ أحمد سهوم، سيكون متأكدا بمجرد قراءة النص، أنه من إبداعه رحمه الله، ذلك أن كلامه متميز لا يخفى على الدارس والمتتبع، وليس هذا مجال تقديم أدلة كثيرة على صحة ما نقول، بل نكتفي بتقديم دليل واحد على صحة قناعتنا، وذلك من خلال قول الشيخ:

الله أكــــــبـــــــــر* آش يوصف شاعر فاسرار ظاهرة * ولا حتــى اميـــــات شاعـــــر*
ولا ألــــوف من الدهــــات اسياتــــل لشـعـار

فصيغ المبالغات هاته هي من خصائص أسلوب الشيخ المرحوم “الحاج أحمد سهوم”، وبقراءتنا الأولى للقصيدة، سنجد أدلة دامغة على أن النص ينتسب إليه.
وعلى العموم، فقد أجاد الشيخ في هذا النص وأبدع أيما إبداع، مما يكشف على قوة شيخ الملحون في مجال الكتابة الشعرية، وأنه لا يقل شأنا عن الشاعر الذي يكتب باللغة العربية المدرسية الفصحى، يقول الشيخ في حربة هذه القصيدة:                                                                                                     يَا لِيــلَــتْ لـَقـْـــدَرْ* كُـــّْل لحْظـَة مَنَّـكْ بَسْرَارْ عَامْــرَة * يَا سَعْـــدْ اللـِّي احْيَـاكْ ذَاكَـــــرْ*
بَجْــلالْ جَـاهَــكْ لـَعْـظِيــمْ أ لِـيلـَتْ لـَسْــــرَارْ
إنها ليلة عظيمة عظمها الخالق سبحانه وتعالى بأن جعلها لحظة غفران الذنب بالنسبة للمذنبين، ولذلك فكل من أدركها وأكثر فيها من القرآن والصلاة والاستغفار، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وكتب له عبادة ألف شهر وأكثر.
إنها ليلة مشرفة صافية الأنوار، والكون كله مضيء فرحة واحتفالا بقدومها، والسماء تبدو كالمنارات مزدهرة ومتقدة، أما الملائكة، فينزلون بكثرة إلى الأرض، لمشاركة المسلمين فرحتهم بهذه الليلة المباركة، وينشرون الرحمة والسكينة بين العباد، ومعهم جبريل الأمين الذي يُجمع الجمهور على أنه ينزل إلى الأرض كل سنة وفي هذه المناسبة بالضبط، وذلك مصداقا لقوله تعالى “تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر”، وعموما فجمال الأرض والسماء، وفرحة كل مخلوقات الله تعالى في هذه الليلة شيء لا يوصف، ويعجز عنه لسان أبلغ البلغاء، وحتى لو اجتمعوا جميعهم، فسيقفون عاجزين أمام عظمة هذه الليلة المكثفة الأسرار.
إنها ليلة تبات فيها المساجد مفتوحة، ومكتظة بالمصلين المستغفرين قارئي القرآن، دموعهم منهمرة خشوعا ووجلا من الله تعالى، وكذا الشأن بالنسبة للدور والخيام، كل هذه الأماكن ممتلئة بالملائكة، ملائكة الرحمان الذين يستغفرون للعاصين، ويدعون لهم بالهداية، فكل من أدرك هذه الليلة ولم يحيها بما هي أهل له، فقد خسر الكثير من الخير، إنها ليلة تعادل ثلاثة وثمانون شهرا من العبادة وأكثر من ذلك، فيها أكرم الله هذه الأمة بجاه نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم، ونزل عليه جبريل وهو يتعبد بالغار، حيث جاءه بالوحي من عند الله سبحانه وتعالى، وتوالى بعد ذلك نزول القرآن الكريم الذي يعد دستور المسلمين.
إن الخالق سبحانه وتعالى صاحب المنة، وعظيم الشأن هو من خاطبنا نحن عباده الغارقون في الأوزار أن نحيي هذه الليلة، ونكثر فيها الاستغفار والصلاة وقراءة القرآن، حتى يغفر لنا ويدخلنا جنته برحمته، فلسنا الوحيدين الذين يستغفرون لأنفسهم، بل هناك أيضا ملائكة الرحمة يتقدمهم جبريل عليه السلام، كلهم يستغفرون لنا الخالق سبحانه ألا يعذبنا وأن يرحمنا، وفي الختام يوقع الشاعر هذا النص الرائع باسمه، والذي رغم ما يبدو عليه من بساطة، فهو يدخل في إطار السهل الممتنع، والذي يتعب القارئ وهو يتتبع معانيه، رحم الله الحاج أحمد سهوم، وإليكم القصيدة لتستمتعوا بقراءتها.

قصيدة: ” ليلتْ القدر”
نظم: الشيخ أحمد سهوم
الحــربــة:
يَا لِيــلَــتْ لـَقـْـــدَرْ* كُـــّْل لحْظـَة مَنَّـكْ بَسْرَارْ عَامْــرَة * يَا سَعْـــدْ اللـِّي احْيَـاكْ ذَاكَـــــرْ*
بَجْــلالْ جَـاهَــكْ لـَعْـظِيــمْ أ لِـيلـَتْ لـَسْــــرَارْ
القسم الأول:
الله أكــــبـــــــــــر* الكون كله لابــس حــلاتْ باهـــرة * شافـــــوه ابصايــــر لبصايـــر*
مَــــزدان لليلـــت البشايــــر ليلـــت لســـرار
الله أكـــبــــــــــــر* كــل ذرة فالكــون اتبات زاهــــرة * والسمـــــواتْ كالمـــنــــايـــــر*
كـترثي ليلــــت القــــدر بجــــلال ويكـبــــار
الله أكـــــبــــــــــر* لملايـــــك جملــــــة لا امفايـــــرة * جمعهــــم إيبـــــات يتكـاثــــــر*
والروح امعاهــــم أمـــن يتأمـــــل لســـــوار
الله أكــــبـــــــــــر* كـــل منظـــورة لينا وكـــل غابرة * وما خافــــي وكــــل ظاهـــــر*
زاهـــر مزدان عابـــق انسيمــه عــل لقطـار
الله أكــــــبـــــــــر* آش يوصف شاعر فاسرار ظاهرة * ولا حتــى اميـــــات شاعـــــر*
ولا ألــــوف من الدهــــات اسياتــــل لشـعـار
القسم الثاني:
الله أكــــبـــــــــــر* ساير لمساجــد اتبــــات عامـــــرة * وما مـــــن الســــــان ذاكـــــر*
والليـل الليـل بايــــت للحــمــــد ولاستغفــــار
الله أكــــبـــــــــــر* ليلـــتْ الســــلام اتبات للمغافــــرة * والجــار إيصافــــح لمجـــاور*
وخشوع إيكــركــب الدمـوع فالخـــدود ادرار
الله أكــــبـــــــــــر* كل أشياء في هاذ الليــل ساهــــرة * كيتْ من لا يبـــــاتْ ساهــــــر*
ربي يهــديه اكــما اهــــدى لفضــال ولبـــرار
القسم الثالث:
الله أكـــــبــــــــــر* الديـــور ولخيـــام اتبات عامــــرة * بمـــــلايـــــك ربنـــا القـــــادر*
وعبيــــده جاهـــــرة بالصلـــــوات ولذكــــار
الله أكـــــبــــــــــر* جــل شانه مـول الدنيـا ولاخـــــرة * من عظـــم ليلـــتْ المفاخـــــر*
فكتابه قال خيـر مـن ألــــف شهــــر بســـرار
الله أكـــــبــــــــــر* المهيمن مــول القــــدرة القــــادرة * الجبـــــار لقـــــــوي القاهـــــر*
بالقــــــرآن العظيــــــم كـــــرم هاذ البشــــــر
القسم الرابع:
الله أكــــبـــــــــــر* الجليـــل الخالــــق كـــل ما انــرى * إيخاطــب جنسنـــا الصاغــــر*
اضعـــف ما فالقطار وضْأَلْ ما عـــل لقفـــار
الله أكـــــبــــــــــر* غابــت عنــي وعـــــل الحضــــرة * وأنا فـي وسطهـــا وحاضــــر*
خرسوا لفكــــار ولذهـــان وقلبــــي محتــــار
الله أكـــــبــــــــــر* فاض بحر النبوءة يا اللــي اقـــرى * قـــم انسبحــوا افْيَـــمّْ زاخــــر*
غاصوا فيه لقطاب ولقاوا اســرار اكــثـــــار
القسم الخامس:
الله أكــــــبـــــــــر* كـل شي منه لِـــهْ وُبِــــهْ يا تْــــرى * يــوري الحكـام من إيخاطـــر*
بالعمــــر وعايـــش الحياط إيعاكـــس لقـــدار
الله أكـــــبــــــــــر* هاب لينا هـــاذ المنـــــة الســـــارة * لوجـــهْ محبـــوبنـــا الطاهـــر*
وما عانــــى وكابـــــد فظلمــتْ ذاك الغـــــار
الله أكـــــبــــــــــر* جاه جبريـل الغاره وقال لُّه اقــرى * جــاهْ على هيأتُـــه وظاهــــــر*
وقدامُـــه باش كان رعبه ذهلــــــت لفكــــــار
القسم السادس:
الله أكـــبــــــــــــر* أمنه بعد الـرعــب وكــل ما طْـــرى * ما تقــوى اتـوصفــه اقماهـر*
سبحان الله كـيــــف كـتـتـصـــرف لقــــــــدار
الله أكـــــبــــــــــر* اضوى عليه الغار فلحظة وما جْرى * ما يخطر شي على الخواطر*
ولا يقـــوى على أوصافـــه جمع الشطــــــار
الله أكـــــبــــــــــر* كـل جيهة في هـاذ اليــوم عاطــــرة * والنـــور إيبــات بالتكـــاثـــر*
لا حـــد إيطيـــق لو ويحقــــق فيـه بلبصـــار
الله أكـــــبــــــــــر* والصــــلا والسـلام ابــلا امفاتــــرا * علــى مـن شَفّْعُــــه الغـافــــر*
فجميـــع أهــــل الأنام ومحـــى عنـه لـــوزار
الله أكـــــبــــــــــر* قـال أحمـــد سهـوم اسمـه ولا ادرى * حتى نسبي افـمــــا اتــواتـــر*
على ليلة فايقـــة أو شمـــلاتْ أســـرار اكـثار
بســلامــي نجهــر* عل لشراف أولاد الزهـرة الطاهـرة * والعلمــا أهـــل الذخـــايـــــر*
وعلى مـــن بات في اصــلاتـــه يتلي لســوار

التعليقات مغلقة.