أيوب التومي
بعد الدور الذي لعبته الأحزاب اليسارية في تقريب المواقف وتبديد التوتر بين الرباط واستوكهلم بشأن موقف الأخيرة من الوحدة الترابية للمملكة، يسارع بن سعيد أيت ايدر، أحد رموز اليسار المغربي، الزمن لجمع أطراف النزاع في قضية الصحراء، بمن فيهم قيادات البوليساريو، حول طاولة الحوار، من خلال تنظيم ندوة دولية الشهر القادم بمراكش.
التحضير لمبادرة من هذا الحجم، قاد المناضل اليساري ورفاقه في مركز بنسعيد أيت ايدر للدراسات والأبحاث الشهر الماضي إلى زيارة الجزائر لتوجيه الدعوة إلى شخصيات وأحزاب جزائرية للمشاركة في الندوة؛ فيما ينتظر أن يسافر وفد عن المركز ذاته الأسبوع القادم إلى موريتانيا للغرض نفسه، تليها زيارة أخرى مشابهة إلى تونس.
وإذا كانت زيارة وفد من الأحزاب اليسارية إلى السويد قد جاءت بمبادرة من الدولة، بهدف إشراك الفاعلين السياسيين في قضية ظلت حكرا على المؤسسة الملكية، فإن الندوة التي دعا إليها مركز بنسعيد أيت ايدر للدراسات والأبحاث تبدو مبادرة فردية من بنسعيد ورفاقه في اليسار، ما يطرح التساؤل حول إمكانية عودة اليسار إلى الانخراط في ملف ظل مستعصيا لأزيد من أربعين سنة.
روح المسؤولية
المحلل سياسي عبد الفتاح البلعمشي يرى أن “التحركات التي يخوضها بعض المنتمين إلى اليسار المغربي بخصوص ملف الصحراء تترجم نوعا من الإحساس بالمسؤولية من طرف “الفاعلين السياسيين الجدد” بخصوص علاقات المغرب الخارجية مع محيطه الإقليمي والدولي”.
وأكد رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، في تصريح لهسبريس، أن “الأحزاب السياسية المغربية تخاف اليوم من الخوض في ملف الصحراء أو إطلاق مبادرات تساهم في تذويب جليد الخلافات بين الأطراف المتنازعة، نظرا لحساسية هذا الملف وهاجس ارتكاب الخطأ فيه”.
استمرارية اليسار
فيما رفض أحمد البوز، أستاذ القانون الدستوري، الحديث عن انقطاع مساهمة اليسار في هذا الملف، معتبرا أن مبادرات التيار اليساري بخصوص قضية الصحراء “متعددة ومستمرة منذ سنوات طويلة”، ضاربا المثل باللقاءات التي جمعت الشبيبة الاتحادية بالبوليساريو في إطار منظمة الشباب الاشتراكي العالمي والأوربي.
وأضاف البوز، في تصريح لهسبريس، أن “إشراك الدولة للأحزاب اليسارية في وقت كادت السويد أن تُقدم على الاعتراف بالجمهورية الصحراوية المزعومة جاء كتحول في مقاربتها للقضية الوطنية الأولى، وليس تحولا في مقاربة اليسار، الذي كان جزء كبير منه يتفاعل منذ زمن مع قضية الصحراء”.
وأكد البوز أن هذه المبادرات تعكس من جهة “بروز مقاربة حزبية ومدنية جديدة تحاول الإعلان عن نفسها كعنصر فاعل في قضية المغاربة الأولى إلى جانب المقاربة الرسمية”، أما الجهة الثانية، حسب أستاذ العلوم السياسية، فتكمن في “دخول قضية الصحراء منعطفا جديدا”.
من الصعب الإقرار..
وبخلاف الطروحات السابقة، يرى عبد الرحيم منار السليمي، المحلل السياسي، أنه “من الصعب الإقرار بعودة اليسار إلى هذا الملف، مادامت لم تكن هناك سابقا مبادرات من جانب الأحزاب اليسارية بخصوص قضية الصحراء”، مضيفا أن الأمر كان “يقتصر فقط على رابطة تاريخية كانت تجمع زعماء اليسار بقيادات البوليساريو، ولم تعد قائمة حاليا بعد أن تغيرت القيادات السابقة”.
“لما ضعفت الأحزاب ضعفت مثل هذه المبادرات، فالصراعات الداخلية التي باتت تتخبط فيها في الوقت الحالي أبعدتها عن الاهتمام بقضايا وطنية وقومية”، يقول السليمي، مضيفا أنه “بعد خروج القيادات التاريخية الوازنة من الأحزاب السياسية الوطنية حصل تراجع بخصوص المبادرات في ما يخص القضايا الوطنية”.
وحول دور الأحزاب السياسية، وخاصة اليسارية، في دخول معترك القضية الوطنية، قال رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات بالرباط، إن “مثل هذه الملفات لا يؤثر فيها العامل الإيديولوجي، بقدر ما يؤثر فيها الاقتصاد والأمن، ثم قوة تنظيمات المجتمع المدني والتنظيمات الحقوقية”.
وعبر السليمي عن رأيه بهذا الخصوص قائلا: “من وجهة نظري فإن الإستراتيجية التي يجب أن يشتغل عليها اليسار هي فتح نقاش مع الأحزاب السياسية الجزائرية التي بدأ يتغير موقفها من القضية، وبعض المعارضين للقيادة الحالية للبوليساريو”، مبرزا أن “توجه مبادرة مركز بنسعيد ايت ايدر إلى قيادات البوليساريو من أجل تحريك المياه الراكدة يمثل خيارا غير دقيق، على اعتبار أن القرار متمركز في الجزائر وليس في يد البوليساريو”.
التعليقات مغلقة.