الانتفاضة // مصطفى المنوزي
لم يعد مقترح الحكم الذاتي في السياق المغربي مجرد مبادرة دبلوماسية لتدبير نزاع إقليمي، بل تحول إلى اختبار داخلي لمدى قدرة الدولة على إعادة بناء علاقتها بالمجال، وبالذاكرة، وبفكرة السيادة ذاتها. فالتحدي لم يعد سؤال المشروعية أو القبول الدولي، بل سؤال التفعيل: كيف يمكن تنزيل هذا المقترح في ظل السيادة المغربية بطريقة تعزز الوحدة وتُعمّق الشرعية وتؤسس لاستدامة مؤسساتية؟
إن معالجة هذا السؤال تقتضي الانتقال من مقاربة قانونية صِرفة إلى مقاربة تحوّلية تعتبر الحكم الذاتي مشروعًا لإعادة توزيع الثقة، لا مجرد إعادة توزيع اختصاصات. فالحكم الذاتي، إذا أُدرج ضمن أفق العدالة الانتقالية، يصبح امتدادًا لمسار الإنصاف والمصالحة، لا قطيعة معه؛ ويغدو آلية لإعادة بناء العلاقة بين المركز والمجال على أساس الاعتراف والمشاركة وضمان عدم التكرار.
في هذا الأفق، يبرز مفهوم الذكاء الترابي كإطار ناظم للتفعيل. فالذكاء الترابي لا يعني فقط حسن تدبير الموارد المحلية، بل قدرة المجال على إنتاج معرفة بذاته، واستثمار ذاكرته في التخطيط، وتحويل خصوصياته الثقافية والاجتماعية إلى رأسمال استراتيجي. ومن ثمّ، فإن تفعيل الحكم الذاتي يقتضي تمكين الفاعلين الترابيين من المشاركة الفعلية في صناعة القرار، ضمن منظومة واضحة للاختصاصات، ومؤطرة بضمانات دستورية ورقابية وقضائية.
إن أحد المفاتيح المركزية لحلحلة سؤال التفعيل يتمثل في إعادة تأطير الحكم الذاتي باعتباره صيغة متقدمة لجبر الضرر المجالي. فالعدالة الانتقالية في التجربة المغربية عالجت جانبًا مهمًا من الانتهاكات الفردية، لكنها لم تُستثمر بما يكفي في بعدها الترابي البنيوي. والحال أن الإنصاف المجالي ليس مجرد مشاريع تنموية ظرفية، بل إعادة تأهيل شاملة للعلاقة بين الدولة والمجال، قائمة على الاعتراف الرمزي والتأهيل المؤسساتي. وبهذا المعنى، يتحول الحكم الذاتي إلى آلية مؤسساتية دائمة لتحويل جبر الضرر من إجراء تصحيحي إلى نموذج حكامة مستدامة.
غير أن التفعيل يظل رهينًا بتجاوز معضلة ذهنية قائمة على الخلط بين التفويض الإداري والتفويض السيادي. فالحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية لا يعني تجزيء السيادة، بل إعادة هيكلتها عقلانيًا، بحيث تحتفظ الدولة باختصاصاتها السيادية العليا، وتُمكِّن الجهة من تدبير شؤونها وفق خصوصياتها، في إطار وحدة دستورية واضحة. هنا يصبح الأمن القضائي والرقابة المؤسساتية عناصر حاسمة في بناء الثقة، لأن استدامة السيادة لا تتحقق بالقوة الرمزية وحدها، بل بفعالية المؤسسات وضمانات الحقوق.
كما أن سؤال التفعيل ليس تقنيًا فقط، بل هو سؤال سردي بامتياز. فالمعيقات الحقيقية قد لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في السرديات المتوجسة: سردية التخوين، وسردية الانفصال المقنّع، وسردية المركز الحارس، وسردية الضحية الدائمة. إن استحضار مقتضيات العدالة الانتقالية يتيح تفكيك هذه السرديات عبر الاعتراف المتبادل، وإعادة صياغة العقد الرمزي بين الدولة والمجال، وتحويل الذاكرة من مصدر توتر إلى مورد للشرعية. بذلك يتقاطع الحكم الذاتي مع “ضمير الذاكرة”، وتصبح الحوكمة الترابية أداة لعقلنة السيادة وتحرير معناها.
إن الإطار العام لتفعيل مقترح الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية ينبغي أن يقوم على مرتكزات متكاملة: تحديد دقيق لمجالات الاختصاص، آليات مستقلة للرقابة والتوازن، إدماج مقاربة جبر الضرر المجالي في التخطيط الجهوي، تأطير أمني وقضائي يحمي الحقوق دون منطق احترازي مفرط، وإشراك الفاعل الحقوقي والمدني في هندسة السياسات الترابية. بهذا المعنى، لا يكون الحكم الذاتي امتيازًا ممنوحًا، بل تعبيرًا عن نضج الدولة في الانتقال من منطق الحماية إلى منطق الثقة المؤسَّسة.
في النهاية، فإن سؤال التفعيل يحيلنا إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للسيادة أن تستدام في زمن التحولات الإقليمية والسرديات المتنازعة؟ الجواب لا يكمن فقط في الاعتراف الدولي، بل في ترسيخ الاعتراف الداخلي، وفي بناء شرعية تشاركية تجعل المجال شريكًا في حماية الوحدة لا مجرد موضوع لإدارتها. حينها يصبح الحكم الذاتي مختبرًا وطنيًا لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومجالاتها، ضمن أفق عدالة انتقالية توقعية تؤسس لمستقبل تُعقلن فيه السلطة، ويُحرَّر فيه المعنى، وتُربط فيه السيادة بأخلاق العناية والتشارك والإبداع.
التعليقات مغلقة.