الانتفاضة
منذ أن سقطت بغداد، لم يسقط نظام الحكم فيها فقط، بل سقط ميزان رمزيٌّ كان يوهم الإنسان بأن في هذا العالم عدالةً تُقاس بمعيار واحد.
يوم دخلت الدبابات بغداد تحت راية الولايات المتحدة وحلفائها، لم يكن المشهد مجرد تغييرٍ في الجغرافيا السياسية، بل إعلاناً فجاً بأن القانون الدولي يُعاد تفسيره وفق خرائط المصالح، لا وفق مبادئ الحق والقانون.
منذ ذلك اليوم، والعالم العربي يتدرج في انحدار بطيء، كمن يسير فوق أرض رخوة، كل خطوةٍ فيها احتمال سقوط جديد. ليس لأن هذه الشعوب عاجزة بطبيعتها، بل لأن الشروط الدولية التي تُحكم قبضتها على المنطقة تجعل من الاستقرار استثناءً، ومن الفوضى قاعدة.
فـ”المنتظم الدولي” الذي يرفع شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، يمارسها بانتقائيةٍ باردة: يمنحها حيث تخدمه، ويحجبها حيث تعاكس استراتيجياته. في الشرق الأوسط، تبدو المفارقة صارخة: تُقصف المدن باسم الحرية، وتُفكك الدول باسم إعادة البناء، وتُختزل الشعوب في تقارير أمنية ونشرات عاجلة.
كأن هذه المنطقة محكومةٌ بقدراستثنائي، لا يحق لها أن تعيش ما تعيشه أمم أخرى من أمن واستقرار، وكأن دماءها أقلُّ وزناً في ميزان القيم الكونية.
إن أخطر ما في المشهد ليس الاحتلال المباشر، بل تطبيع السقوط؛ أن يتحول الخراب إلى خبر عابر، وأن يصبح التراجع قدراً مألوفاً.
هنا تتجلى البربرية في صورتها الحديثة: ليست في الخطاب، بل في ازدواجية المعايير؛ ليست في الشعارات، بل في الفراغ الأخلاقي الذي يقف خلفها.
فإذا بقيت الشروط العالمية على حالها.. شروط الهيمنة الاقتصادية، والتدخل العسكري المقنع، وإدارة الصراعات بدل حلّها..
فإن المزيد من السقوط ليس احتمالاً بعيداً، بل نتيجةً منطقية. والسؤال لم يعد: من التالي؟
بل: هل ثمة إرادةٌ جماعية لكسر هذه الحلقة، أم أننا سنواصل انتظار الدور، كل في طابوره؟
إن الكرامة ليست امتيازاً جغرافياً، ولا الأمن مينة او منحة حضارية.
وما لم تُسترد القيم من براثن الانتقائية، سيظل الشرق الأوسط شاهداً حياً على أن الخطاب العالمي شيء، والواقع شيءٌ آخر ..
وأن بينهما مسافة تُقاس بخراب مدنٍ كاملة، لا بحروف البيانات الرسمية.
التعليقات مغلقة.