برحيل الزميل “عزيز باطراح” ..الساحة الإعلامية بمراكش تفقد أحد أبرز وجوه الصحافة المحلية

الانتفاضة/ ابراهيم أكرام

برحيل الزميل عزيز باطراح مدير موقع “المراكشي” وعضو الفدرالية المغربية لناشري الصحف بجهة مراكش اسفي، فقدت الساحة الإعلامية بمدينة مراكش أحد أبرز وجوهها في الصحافة الرقمية الجهوية، وصوتا ظل لسنوات وفيا لتفاصيل المشهد المحلي، منحازا إلى مهنية الخبر وإلى حق المواطن في الولوج إلى المعلومة الدقيقة والمتوازنة. لم يكن حضوره الإعلامي عابرا أو مرتبطا بلحظة ظرفية، بل كان امتدادا لمسار مهني اتسم بالاجتهاد والالتزام والرهان الواضح على إعلام قريب من الناس، يعكس انشغالاتهم ويواكب تحولات مدينتهم.

شغل الراحل منصب مدير نشر موقع المراكشي، الذي تحول تحت إشرافه إلى منصة إخبارية مرجعية في تغطية الشأن المحلي، بفضل خط تحريري متزن يقوم على القرب من المواطن والانفتاح على مختلف الفاعلين، مع الحرص على معالجة القضايا الحساسة بروح مهنية مسؤولة. لقد آمن باطراح بأن الصحافة الجهوية ليست مجرد صدى لما ينشر وطنيا، بل هي فضاء مستقل بذاته، يقتضي فهما عميقا لخصوصيات المجال المحلي، وقدرة على قراءة تفاصيله السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

منذ انخراطه في تجربة الإعلام الرقمي، أدرك أن التحول الذي تعرفه الصحافة لا يقتصر على الوسيط التقني، بل يمس جوهر الممارسة المهنية. لذلك سعى إلى ترسيخ ثقافة تحريرية تقوم على التحقق من المعطيات، وتعدد المصادر، ومنح الأطراف المعنية حق الرد، تفاديا للانزلاق نحو الأحكام المسبقة أو الإثارة المجانية. وفي زمن تتسارع فيه الأخبار وتتناسل الإشاعات عبر المنصات الاجتماعية، ظل يعتبر أن السبق الحقيقي لا يكمن في السرعة وحدها، بل في دقة المعلومة وسلامة سياقها.

تميز مساره بروح المثابرة والعمل الميداني، إذ لم يكن يكتفي بإدارة غرفة الأخبار من خلف المكتب، بل ظل حاضرا في قلب الأحداث، متابعاًذ لاجتماعات المجالس المنتخبة، وملفات التدبير المحلي، وقضايا المجتمع المدني، ومواكبا للتحولات العمرانية والاقتصادية التي تعرفها المدينة الحمراء. هذا الحضور الميداني مكنه من بناء شبكة علاقات مهنية واسعة، قائمة على الاحترام المتبادل، وأتاح للموقع الذي يديره الوصول إلى معطيات دقيقة وتحليلات متوازنة.

وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ علاقة ثقة بين “المراكشي” وقرائه، إذ وجد فيه المتتبعون منبرا يعكس هموم الساكنة وتطلعاتها، وينقل نبض الشارع دون تهويل أو تحريف. لم يكن الموقع منصة للمواجهة أو الاصطفاف، بل فضاء للنقاش العمومي الرصين، حيث تطرح القضايا المرتبطة بالتنمية والحكامة وجودة الخدمات العمومية في إطار من المسؤولية والاحترام.

عرف عنه زملاؤه التزامه الصارم بأخلاقيات المهنة، وإيمانه بأن الصحافة مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون مجرد نشاط مهني. كان حريصا على صون كرامة الأشخاص، وتفادي المساس بالحياة الخاصة، والتمييز بين النقد المشروع والتشهير المرفوض. كما دافع عن استقلالية الإعلام الجهوي، معتبرا أن قوته تكمن في قدرته على مساءلة الشأن المحلي بموضوعية، بعيدا عن الضغوط أو الحسابات الضيقة.

لم يكن عزيز باطراح مجرد مدير موقع إلكتروني، بل كان فاعلا في النقاش العمومي المحلي، مساهما في إغناء الحوار حول قضايا التنمية والعدالة المجالية، ومواكبا للتحولات التي تعرفها مراكش كمدينة ذات إشعاع وطني ودولي. وقد آمن بأن الإعلام القريب من الناس هو الأقدر على إحداث الأثر الإيجابي، لأنه ينطلق من تفاصيل الحياة اليومية، ويرصد التحديات كما يعيشها المواطنون في أحيائهم ومؤسساتهم.

كما كان مدركا للتحديات التي تواجه الصحافة الرقمية، سواء على مستوى الاستدامة الاقتصادية أو على صعيد التكوين المهني والتأطير القانوني. لذلك انخرط في نقاشات تروم تطوير هذا القطاع، والدفع نحو تمكينه من شروط العمل اللائق، بما يضمن جودة المحتوى واستمراريته. وقد شكل حضوره في المشهد الإعلامي المحلي دعامة لتجارب شابة، استفادت من خبرته وتوجيهاته، واستلهمت من رؤيته في إدارة العمل الصحافي.

برحيله، تخسر الأسرة الإعلامية اسما وازنا ترك بصمته بهدوء وإصرار، دون ضجيج أو سعي إلى الأضواء. غير أن إرثه المهني سيظل حاضرا في الذاكرة الجماعية لزملائه وقرائه، وفي الخط التحريري الذي أرساه داخل “المراكشي”، والقائم على المصداقية والتوازن وخدمة الصالح العام. إنها سيرة صحافي اختار الانحياز إلى الكلمة المسؤولة، وجعل من المهنية معيارا لا يحيد عنه، مؤمنا بأن الإعلام، حين يلتزم بقيمه، يتحول إلى رافعة حقيقية للتنوير والتنمية.

التعليقات مغلقة.