الجمارك المغربية تفتح ورشا رقميا ضخما لتحديث نظام “بدر” استعدادا لمرحلة ما بعد 2030

طلب عروض دولي بقيمة 7.2 مليون درهم لإعادة هندسة المنصة الجمركية

الانتفاضة // إلهام أوكادير

حين يتعلق الأمر بالجمارك، فإنه لا يقتصر على المعابر والسلع، بل يمتد إلى أنظمة رقمية معقدة تُدير يومياً آلاف العمليات التجارية، إذ وفي هذا السياق، قررت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة الدخول في مرحلة جديدة من تحديث بنيتها المعلوماتية، واضعة نظام “بدر” في قلب هذا التحول.

وتبعا لذلك، أعلنت ذات الإدارة عن إطلاقها لطلب عروض دولي مفتوح، لمواكبة تنفيذ توصيات تدقيق شامل خضع له النظام المعلوماتي المعتمد في تدبير المعاملات الجمركية، حيث تم تحديد يوم 16 أبريل 2026 كموعد لفتح الأظرفة بمقر الإدارة المركزية بالرباط، فيما رُصد للمشروع غلاف مالي يناهز 7,2 ملايون درهم مغربي.نظام “بدر”، الذي يُشكل العمود الفقري للعمليات الجمركية الرقمية بالمملكة، كان موضوع افتحاص تقني انطلق مطلع سنة 2025، حيث خلُصت نتائج هذا التدقيق إلى أن جزءاً مهماً من التقنيات الحالية، قد يصبح خارج نطاق الدعم التقني في أفق سنة 2030، وهو ما دفع الإدارة إلى التفكير في إعادة هندسة شاملة، تضمن الإستمرارية وتُحصّن النظام من المخاطر المستقبلية.

إنّ الرهان المطروح لا يقتصر على تحديث تقني محدود، بل يتجه نحو الانتقال من بنية تقليدية مركزية، إلى هندسة حديثة قائمة على الخدمات المصغرة السحابية، بما يسمح بمرونة أكبر في التطوير وسرعة في التحديث، إلى جانب تعزيز مقاربة الأمن المعلوماتي وفق نموذج “انعدام الثقة” الذي أصبح معياراً معتمداً في الأنظمة الحساسة.هذا المشروع الذي سيمتد على مدى ثلاث سنوات، وسيُنجز عبر فريق مشترك يضمّ خبراء الشركة التي ستفوز بالصفقة وأطر الإدارة، في مقاربة تراهن على نقل المعرفة وبناء كفاءات داخلية موازاة مع التنفيذ، حيث يرتقب أن تشمل المهام المرتقبة وضع خطة دقيقة لضمان الجودة، وإعادة تصميم الواجهات الأمامية والخلفية للنظام، مع إعطاء أولوية قصوى لحماية المعطيات.

ويتضمن الورش إعداد نموذج تجريبي لاختبار التصوّرات التقنية قبل تعميمها، وصياغة دفاتر تحملات مفصلة تخصّ الأمن السيبراني والبنية التحتية والبيانات والتطبيقات، إضافة إلى اعتماد آليات حديثة لتطوير البرمجيات ونشرها بشكل آلي، ومنصات ذكية لرصد الأعطاب بشكل إستباقي.

كما أنّ الشق البشري حاضر بدوره في هذا التحول، إذ يرتقب تنظيم دورات تكوينية وورش عمل لفائدة فرق الإدارة، بهدف ترسيخ ثقافة الموثوقية وتحسين مؤشرات الأداء، وضمان استقرار النظام على المدى الطويل.إلى جانب ذلك، تشدد وثائق الصفقة أيضاً على ضرورة اختيار أدوات تكنولوجية منسجمة مع البيئة الحالية لـ”بدر”، بحيث تكون قابلة للإندماج دون تعقيدات، مع اعتماد وسائل رقمية لتدبير المشروع، بما يضمن التنسيق السلس بين مختلف المتدخّلين، ما دفع الإدارة إلى تحديد آجال دقيقة لمراجعة المخرجات التقنية وتصحيحها، تأكيداً على رغبة الإدارة في إحكام تتبع التنفيذ وضبط الجودة.

ولا يقتصر أثر هذا التحديث على الجانب التقني الداخلي للإدارة فقط، بل يمتد بشكل مباشر إلى مناخ التجارة الخارجية بالمغرب، فإعادة هندسة نظام “بدر” وفق معايير رقمية حديثة، تعني تقليص آجال معالجة التصاريح الجمركية، والرفع من موثوقية المعطيات، وتقليص مخاطر الأعطاب أو التّوقفات المفاجئة التي قد تؤثر على سلاسل الإمداد.

كما أن تعزيز الأمن السيبراني يمنح الفاعلين الإقتصاديين ثقة أكبر في سلامة معاملاتهم وحماية بياناتهم، وهو عنصر حاسم في جذب الإستثمارات وتحسين تنافسية الموانئ والمنصات اللوجستية الوطنية.

بعبارة أخرى، تحديث المنظومة الرقمية للجمارك يشكل دعامة أساسية لتسهيل المبادلات التجارية وتسريع حركة السّلع عبر الحدود في سياق دولي، يتّسم بتسارع الرقمنة واشتداد المنافسة.

بهذا الورش، تبدو الجمارك المغربية عازمة على تجاوز منطق التحديث الظرفي، متجهة نحو إعادة بناء رقمية تدريجية تضع الأمن السيبراني والاستمرارية التشغيلية في صلب الأولويات، بما ينسجم مع إستراتيجية تمتد إلى أفق 2028، وتستبق تحديات العقد المقبل.

التعليقات مغلقة.