وزير “بالزعط” يحتقر مغاربة العالم

0

الانتفاضة

في خرجة جديدة وغير محسوبة العواقب، أشعل وزير الصناعة والتجارة رياض مزور ناراً سياسية لم تكن في الحسبان، بعدما اختار مخاطبة مغاربة العالم بلغة بدت لكثيرين أقرب إلى التحدي منها إلى المسؤولية الحكومية.

عبارة “بلادك هادي… واش خاصني نشكرك حيث جيتي لبلادك؟… Reste là-bas” لم تكن مجرد زلة لسان عابرة، بل تحولت إلى عنوان أزمة ثقة بين حكومة أخنوش وجاليتها في الخارج.

ففي حفل يفترض أنه مناسبة للتواصل مع النخب والكفاءات، خرج الوزير بخطاب صادم: عودة المغربي إلى وطنه “أمر عادي”، ومن يرى في رجوعه قيمة مضافة “فليبق هناك”، لأن “الملايين من الكفاءات تنتظر الفرصة”.

للأسف كلام قاسٍ وغير ميؤول و يحمل في طياته نبرة استغناء غير مفهومة، وكأن الوطن في موقع من يمنح أو يمنع صك الانتماء.

المشكلة ليست في التذكير بأن الوطن ليس “هدية”، بل في الطريقة التي قُدّم بها هذا التذكير. فمغاربة العالم ليسوا سائحين موسميين يبحثون عن تصفيق، بل رافعة اقتصادية واستراتيجية حقيقية.

وتحويلاتهم التي تناهز بين 11 و13 مليار يورو سنوياً ليست رقماً هامشياً، بل دعامة أساسية لاستقرار الاقتصاد الوطني، خصوصاً في فترات الأزمات.

وخلال سنوات الاضطراب العالمي، كانت تحويلاتهم أكثر صلابة من قطاعات كاملة داخل الاقتصاد.

لكن الأهم من المال هو الرصيد البشري فآلاف الأطر المغربية تتألق في كبريات الشركات والمختبرات والجامعات عبر العالم.

ودول كثيرة تتنافس لاستقطاب هذه الكفاءات وتقدم لها حوافز مغرية، بينما يخرج وزير في حكومة يفترض أنها تسعى لجذب الاستثمار ليقول، بلهجة لا تخلو من استخفاف: “Reste là-bas”.

فأي رسالة تُرسل هنا؟ وأي صورة تُبنى عن مناخ الاستثمار والانفتاح؟

التناقض يصبح أكثر حدة إذا استحضرنا التوجيهات المتكررة لللملك محمد السادس، الذي شدد في خطبه على أن مغاربة العالم قوة حية للأمة، ودعا إلى تبسيط المساطر أمامهم وتشجيع استثماراتهم وضمان كرامتهم وحقوقهم.

وهكذا فالأزمة اليوم ليست لغوية بل سياسية بامتياز، لأن الخطاب ليس مجرد كلمات، بل مؤشر على طريقة التفكير داخل دوائر القرار.

فحين يشعر جزء من الجالية أن الدولة تخاطبه بنبرة استعلاء أو استغناء، فإن الضرر لا يقف عند حدود “البوز” في مواقع التواصل، بل يمتد إلى منسوب الثقة، وهو رأس المال الحقيقي لأي سياسة عمومية ناجحة.

قد يحاول البعض تلطيف التصريحات أو تأويلها لكن الوقائع ثابتة، وملف استراتيجي بحجم مغاربة العالم لا يحتمل خطاباً مرتجلاً أو عبارات شعبوية.

فالمطلوب اليوم ليس تبريراً، بل توضيحاً صريحاً للموقف وإعادة ضبط لغة التخاطب مع جالية أثبتت، بالأرقام والوقائع، أنها شريك لا يمكن تعويضه ولا الاستهانة به.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.