الانتفاضة /// متابعة: سعيد الهركاوي
حين نتحدث عن القضاء، فنحن نتحدث عن منظومة “وحدوية” لا تقبل التجزئة، وعن جسدٍ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالخلل. لكن، وعلى أرض الواقع داخل محاكم المملكة، يبدو أن “بوصلة الإنصاف” قد ضلت طريقها، مخلفة وراءها استياءً عارماً في صفوف هيئة كتابة الضبط؛ هؤلاء المهندسون الحقيقيون للمساطر، والحراس الأمينون على محاضر الجلسات، الذين يجدون أنفسهم اليوم في “مربع الإقصاء” الممنهج.
#إزدواجية المعايير.. حين تغيب “وحدة الجسد”
لطالما أكدت التوجيهات الملكية السامية على “الوحدة العضوية” لمكونات القضاء، إلا أن القراءات التقنية والميزانياتية الضيقة لوزارة المالية والجهات الوصية يبدو أنها تصر على تكريس “طبقية مهنية” داخل مرفق العدالة.
ففي الوقت الذي استبشر فيه الجميع بزيادات مستحقة للقضاة (3000 درهم) والملحقين القضائيين (بين 4000 و7000 درهم)، ظل قطار الزيادات الخاص بكتابة الضبط متوقفاً في محطة سنة 2011. وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: كيف يمكن الحديث عن “تحصين استقلال القضاء” بينما يُترك “الجندي الخفي” عرضة للهشاشة المادية والمعنوية؟ إن استقلال القضاء ليس امتيازاً لفئة دون أخرى، بل هو “بيئة متكاملة” تبدأ من عتبة مكتب كاتب الضبط وتنتهي بمنصة النطق بالحكم.
#المهام القضائية والتعويضات “المفخخة”
لقد تجاوز دور كاتب الضبط اليوم المفهوم التقليدي “للسخرة الإدارية”؛ فهو شريك مباشر في صناعة العدالة بمهام قضائية صرفة أقرتها المحكمة الدستورية وقانون التنظيم القضائي. ومع ذلك، تُجابه هذه الجهود بـ:
ضغط الرقمنة: أعباء تقنية وذهنية مضاعفة فرضها التحول الرقمي دون مواكبة تحفيزية.
خديعة “المردودية”: ما يُسمى بتعويضات “الشهر 13 و14” لعام 2025، وصفها الموظفون بـ “التعويضات المفخخة”، لأنها ترهن كرامة الموظف لمزاجية التنقيط وتفتقر لمعايير الإنصاف الحقيقي.
“إن صيانة كرامة كاتب الضبط وحمايته اقتصادياً ليست ترفاً، بل هي الركيزة الأساسية التي لا تكتمل بدونها معادلة العدالة.”
#مطالب الاستعجال: كفى من سياسة “التقشف الانتقائي”
إن نداء موظفي الهيئة اليوم ليس مجرد “مطالب فئوية”، بل هو صرخة لإنقاذ المرفق العام من الشلل. وعليه، فإن وزارة المالية مطالبة بوقف سياسة “الفيتو” أمام مطالب وزارة العدل، عبر إقرار:
زيادة عامة فورية في الأجور لكسر “جليد التجميد” المستمر منذ 14 عاماً.
إحداث درجة جديدة للترقي المهني تضمن أفقاً معنوياً وحوافز مادية ملموسة.
نظام أساسي محفز ومنصف، يقر بتعويضات حقيقية عن المهام القضائية بعيداً عن “الوعود الجوفاء”.
#النقابات في “مختبر التاريخ”
ختاماً، تجد النقابات القطاعية نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين: إما الانحياز الكامل لمصلحة الموظف المقهور وتحصين استقلال القضاء فعلياً، أو الغرق في حسابات ضيقة وتوازنات لا تخدم سوى “الأجندات الخاصة”.
إن مرفق العدالة لا يمكن أن يشتغل بـ “رئتين” إحداهما تتنفس الرخاء والأخرى تخنقها الحاجة. العدالة الأجرية لكتابة الضبط هي المدخل الوحيد، والأوحد، لإصلاح حقيقي وشامل ومنصف.
التعليقات مغلقة.