الانتفاضة // سعيد حجي
الفقر لم يصنع الرجال يوما، كما روجوا لأجل أن نستسيغ الفكرة ونتقبل البؤس، وإنما يصنع العوام المذلّين والمهانين الذين يعيشون على الهوامش…!!
الفقر آلة صامتة لإعادة إنتاج الخضوع، يشتغل في طبقات الوعي السفلى، يحفر في البنية النفسية قبل أن يظهر في الجيوب الفارغة، يزرع في الروح شعورا دفينا بالدونية، ويحوّل الحاجة اليومية إلى قدر ميتافيزيقي، كأن الجوع قانون كوني، وكأن العراء ترتيب طبيعي للعالم…
حين يتكاثر الحرمان تتكاثر معه آليات التبرير، تنشأ بلاغة كاملة تمجّد العوز، تصاغ الحكايات حول الصبر، وتُطرّز الخطب بأمجاد القِلّة، ويُدفع الناس إلى الإيمان بأن الشظف معبر إلزامي نحو البطولة، بينما الوقائع الاجتماعية تُظهر أن الفقر يستهلك الطاقات قبل أن تنضج، ويستنزف الإمكان قبل أن يتشكّل، ويقضم من الكرامة جزءا جزءا حتى يصبح الانحناء عادة جسدية…
في الأزقة الضيقة حيث الرطوبة تعانق الجدران، يتشكّل وعي هشّ، وعي مطبوع بعنف رمزي، تشتغل فيه السلطة عبر الإقناع الصامت، عبر تحويل الحاجة إلى معيار، وتحويل القلة إلى فضيلة أخلاقية، فيحدث ما يسميه علماء الاجتماع بإعادة إنتاج البنية، إذ يرث الأبناء شعور النقص كما يرثون الأثاث البالي، وتنتقل الهشاشة عبر الأجيال كأنها وصية غير مكتوبة…
الفقر لا يخلق الرجال، يخلق استراتيجيات بقاء بدائية، يخلق اقتصادا للذل، سوقا سوداء للكرامة، يخلق لغة خاصة مليئة بالاعتذار، نظرات مترددة، خطوات محسوبة، خوفا مزمنا من الطرد، من الفضيحة، من العجز عن دفع ثمن الدواء…
ثم تأتي الأسطورة: أسطورة العصامية التي تُضخَّم لتصبح قانونا عاما، تُستدعى حالات فردية نادرة، تُعرض كأدلة قاطعة، ويُطلب من الجماهير أن تنسى السياق البنيوي، أن تتغافل عن توزيع الفرص، عن احتكار الموارد، عن التفاوت البنيوي الذي يجعل الانطلاق من الصفر رفاهية نظرية أكثر منه واقعا معاشا…
يتحول الاستثناء إلى قاعدة خطابية، ويُطلب من المحروم أن يشعر بالذنب إن لم يتحوّل إلى بطل، كأن العطب في إرادته لا في شروطه الموضوعية، وكأن التاريخ الاجتماعي لا وزن له أمام خطبة حماسية…
الفقر يعيد تشكيل الزمن نفسه، يوم الفقير مقسّم بين البحث عن القوت، وبين قلق الغد، وبين ترميم ما يتصدع في البيت وفي النفس. لا مساحة للتأمل، لا فسحة لتجريب الفشل بوصفه خبرة تعليمية، فالفشل عنده سقوط مباشر في الهاوية. هنا تنكمش الحرية إلى حدّها الأدنى، تصبح الحرية قدرة على اختيار الضرورة الأقل قسوة…
وحين تضيق الخيارات تتآكل الجرأة، تنكمش المخيلة، ينحسر الأفق، ويصير الطموح ترفا لغويا.
في هذا المناخ تتكاثر أنماط الخضوع الناعم، يتشكل ما يمكن تسميته بالاستبطان القهري، إذ يتبنّى المقهور صورة عن ذاته رسمها له النظام الاجتماعي، فيرى نفسه أقل استحقاقا، أقل أهلية، أقل قيمة…
تتحول الكرامة إلى عبء ثقيل، لأن الدفاع عنها مكلف، ولأن الاحتجاج يحتاج إلى رصيد مادي ورمزي، والفقر يفرغ الحسابين معا.
كان محمد شكري يكتب عن الجوع كما لو أنه كائن يجلس إلى المائدة، يلتهم الخبز قبل أن يصل إلى الفم، يسرق الطفولة من عيني صاحبها، ويترك مكانها نظرة حادة، متحفزة، تعرف العالم من قسوته الأولى. في “الخبز الحافي” كان الجوع يطارد الجسد في الأزقة، وكان الفقر يتسلل إلى الروح حتى يصير جزءا من تكوينها، كأنه قدر يومي يُشرب مع الماء. تلك الشهادة الروائية ، كانت كشفا لآلياته، تعرية لخشونته، فضحا لذلك العنف الذي يختبئ خلف الشعارات…
الفقر يختصر الإنسان في حاجته، يختزل كيانه في معدته، يربط وجوده بقدرته على السداد، ويقيس قيمته بسعر عمله في سوق مكتظة بالأجساد المتعبة…
تحت وطأته تنشأ طبقات من القهر المتراكم: قهر اقتصادي يضغط من الخارج، قهر رمزي يتسلل من الداخل، قهر سياسي يحدد المجال، قهر ثقافي يعيد تعريف المعايير.
يتشكل ما يمكن تسميته بالهشاشة الوجودية، إحساس دائم بأن الأرض غير ثابتة، بأن أي طارئ قد يهدم كل شيء، بأن الاستقرار حلم مؤجل.
ومع تراكم الحرمان يتبدل الذوق، تتغير الأولويات، تتراجع الحساسية الجمالية لصالح الحساسية النفعية، يصبح السؤال المركزي: كيف ننجو؟
هنا يتقلص الحلم، يعاد تعريف الكرامة في حدود الحد الأدنى، تُختزل الحياة في البقاء.
الرجولة التي يتغنون بها تحتاج إلى فضاء حرّ تنمو فيه، إلى حد أدنى من الأمان يسمح بتجريب الذات، إلى موارد تتيح التكوين، إلى وقت فائض للتفكير. الفقر يصادر هذا الفائض، يلتهمه قبل أن يولد.
لهذا، حين يُقال إن الفقر يصنع الرجال، ينبغي تفكيك العبارة، تفكيك خلفياتها الإيديولوجية، مساءلة من يستفيد من تعميمها. في العمق هي صيغة لتطبيع التفاوت، لتبرير اختلال التوزيع، لتمرير فكرة أن المعاناة ضرورية لبناء الشخصية، وكأن العدالة الاجتماعية خطر على الأخلاق، وكأن الرفاه يفسد الجوهر.
الواقع أكثر تعقيدا، الكرامة تحتاج إلى شروط، الحرية تحتاج إلى أرضية مادية، الاستقلال يحتاج إلى بنية داعمة.
الفقر يصنع وجوها متعبة، يصنع أيادي خشنة قبل أوانها، يصنع أعصابا مشدودة، يصنع أطفالا يكبرون بسرعة لأن الطفولة مكلفة…
يصنع رجالا يظنون أن الصمت حكمة، وأن الانكسار قَدَر، وأن الطموح مخاطرة غير محسوبة.
يصنع نساء يحملن البيت على أكتافهن، ويحسبن المصروف بالدرهم، ويخفين قلقهن في ابتسامة عابرة.
في النهاية، المسألة أخلاقية بقدر ما هي اجتماعية، مجتمع يروّج لفضيلة الفقر يعيد إنتاج هشاشته، ويكرّس نظاما يطلب من الضحية أن تشكره.
العدالة شرط لولادة إنسان كامل، إنسان يملك وقتا للحلم، وموارد للتجربة، وكرامة غير قابلة للمساومة.
حين تتوفر هذه الشروط، يمكن للرجولة أن تتشكل بوصفها مسؤولية ووعيا ونضجا، لا كقشرة صلبة تخفي جوعا قديما.
التعليقات مغلقة.