عندما قدمنا – قبل سنة – درسا في الإحصاء لمندوبية الإحصاء

الانتفاضة // أيوب الرضواني

عندما تجمع مدخول ميسّي المغرب أخنوش الذي وضع في جيبه 58 ألف درهم في الساعة خلال الستة أشهر الأولى من عواشر كورونا، مع أجر عامل “إن عاش وتني” يتقاضى 1200 درهم، وتقسم على جوج!

حينما تجمع 200 مليون سنتيم راتب مدير اتصالات الحلزون الشهري، مع 1000 درهم أجرة عاملة نظافة مغربية كاملة الأهلية، وتقسم على 2!

عندما ترُصُّ راتب والي بنك المغرب ومدخول مصطفى التراب مدير الفوسفات مع دُريهمات عامل بالأحد الأدنى للأجور، وصفر درهم لـ 39%% من شباب المغرب المُعطلين، وتقسم على 4!

حسنما تضم راتب القايد إلى أجرة الشّاوش مقسوم على 2!

بعدها تأتي في تقرير فاعلٍ تاركٍ لتقول للمغاربة أن متوسط الدخل السنوي للفرد منهم 21900 درهم، ومعدل دخل الأسر السنوي 89 ألف درهم (7500 درهم شهريا)! إعلم إذن يا صديقي أن شُربك للشّاي بالغازوال أثر على قدراتك العقلية، إلى درجة الاعتقاد بكون 37 مليون إنسان رسمي داخليا، و5 ملايين خارجيا…يرضعون أصابعهم!

في علم الإحصاء، هنالك فرق شاسع بين المُتوسط الحسابي والوسيط الحسابي.

المتوسط (المُعلن من مندوبية بنموسى للتخطيط) يقوم على مبدأ جمع القيم كلها وتقسيمها على عددها، مُعتبرا أنها متقاربة من حيث الكيْفُ والوزن.

المُتوسط يفترض تجانس القيم وعدم وجود حالات متطرفة كما حال المغرب. بعد الحساب، تجد كل الأرقام مجتمعة حوله، في تحيُّز واضح للقيم المتطرفة الكبرى (أخنتوش، الحلزون، بن صالح…)، وظلم صريح (حُكرة) للأرقام الصغيرة.

المتوسط يصلح للاقتراب من حساب دخل الأفراد في أكثر البلدان ثراء وعدالة اجتماعية، وأقلها تفاوتا وطبقية؛ الدول الاسكندنافية. وليس في وطن كأجمل بلدان العالم، حيث 10% من السكان يلتهمون 63% من الثروات!

في الحالة المغربية يجب اعتماد الوسيط، وتبليغ النتائج الُمحصلة على أساسه بكل شفافية للرأي العام. وديك الساعة سنرى قَرفاداتنا (جمع قرفادة، أو قفاً باللغة العربية) في المرآة الخلفية، برغم جهود الحلاّق في تزيين الواجهة!

الوسيط هو القيمة التي تَنْتَصفُ البياناتِ بعد ترتيبها.

إليكم المثال:
لنفترض أن الشعب المغربي مُكون من 15 أسرة، وتم إجراء بحث عن كميات اللحم المتناولة بالكيلو غرام؛

استهلاك الأُسر بالكيلوغرام (كل قيمة تمثل كمية اللحم المستهلكة شهريا من أسرة معينة) هو:

2؛ 4؛ 2؛ 1؛ 4: 3؛ 2؛ 5؛ 1؛ 1؛ 6؛3؛ 5؛ (30)؛ (40).

بحسابات مندوبية بنموسى، فإن متوسط استهلاك الأسرة المغربية للحم يبلغ 7 كيلوغرامات شهريا.

لكن، وباستعمال المنطق، فإن الرقم الأقرب للواقع هو الوسيط، أي 3 كيلوغرامات.

الوسيط الحسابي استبعد القيم المُتطرفة (40 كيلو) استهلاك أسرة عزيز مثلا، و(30) استهلاك أسرة عبد السلام الحلزون لما لا؟

فوجد أن 13 أسرة من أصل 15 لا يتجاوز معدل استهلاكهم للُّحوم الحمراء 3 كيلوغرامات شهريا.

الأكيد أن خبراء ومهندسي المندوبية -تلتهم 59 مليارا من أموال المغاربة سنويا- لم يغب عنهم الفرق الشاسع بين الوسيط والمتوسط.

آثار إعادة التربية دفعتهم لنشر المتوسط وإخفاء الوسيط، بدليل أن نفس التقرير أشار إلى كون 70% من الأسر المغربية دخلها الشهري أقل من المعدل الوطني (7500 درهم شهريا)؛ عدد معتبر من تلك الأسر لا يكاد يقترب دخلها حتى من نصف الرقم المزعوم.

منذ تقرير مندوبية (الإحصاء وليس التخطيط!) الخاص بالتشغيل، الصادر في 2 غشت 2024، والذي تكلم عن خلق الاقتصاد الوطني نصف مليون منصب شغل في الربع الثاني من 2024، بضم جميع الأنشطة التي تقوم بها الكائنات الحية للبقاء على قيد الحياة، وإدماجها في فئة “وظائف”؛ بدت آثار الشّاي بالغازوال واضحة على ملامح تقارير هيئة كُنّا نحسبها حتى وقت قريب “آخر ملاذ للحد الأدنى من الموضوعية”؛ ولكن دوماااااج! الرجا في الله.
لقصتنا دائما بقية…

التعليقات مغلقة.