مراكش بين وفرة السلطة وفقر الإنجاز… حين تتحوّل “مدينة عالمية” إلى ورش مفتوح بلا أفق

الانتفاضة  $$$ شاكر ولد الحومة 

لم يعد النقاش حول تدبير مدينة مراكش مسألة اختلاف سياسي أو مزايدة خطابية، بل سؤالاً بسيطاً ومباشراً: كيف تتراجع مدينة تُسوَّق كواجهة عالمية، رغم أن كل مفاتيح القرار والسلطة والموارد متجمّعة في يد جهة واحدة؟

اليوم، المشهد السياسي المحلي يكاد يكون حالة فريدة من “الانسجام الحزبي”، العمدة تنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وهو الحزب نفسه الذي يقود الجهة، ويترأس مجلس العمالة، وتدبّر أغلبيته جماعات محيطة بالمدينة، كما يهيمن على رئاسة ثلاث مقاطعات داخل الجماعة، بل إن رئيسة المجلس الجماعي ليست فقط عمدة، بل وزيرة للتعمير وإعداد التراب الوطني، ما يمنحها موقعاً سياسياً وإدارياً استثنائياً، فوق ذلك، يُقال إن قنوات القرار مفتوحة، وإن ما تعذّر سابقاً أصبح اليوم متاحاً.

إذاً، ما الذي ينقص المنصوري؟

حين تجتمع السلطة التنفيذية محلياً وجهوياً و وطنيا، بالاضافة الى الدعم السياسي مركزياً، والقطاعات الحساسة مفوّضة لنواب من نفس الحزب(الاشغال محمد الإدريسي، التعمير طارق حنيش، المداخيل اشرف برزوق، باقي القطاعات مديرة الديوان)، يصبح من غير المقبول تعليق الإخفاق على شماعة “العرقلة” أو “قلة الإمكانيات”. فالإمكانيات موجودة، والميزانيات مُعلنة، والتفويضات موزّعة، والقرار موحّد، ومع ذلك، تعيش المدينة على إيقاع أوراش مفتوحة بلا تنسيق واضح، وشوارع محفّرة، وغبار يخيّم على الأحياء، واختناق مروري خانق، وضعف في الإنارة والنظافة في عدد من المناطق رغم الاموال التي تصرف عليها.

الزائر اليوم لا يحتاج إلى تقرير خبرة ليلاحظ أن “المدينة العالمية” تبدو أقرب إلى ورش دائم.، بالنهار، غبار وأتربة وأشغال متقطّعة. بالليل، أحياء تغرق في الظلام، وبنيات تحتية تُرهق الساكنة، أما ساحة جامع الفنا، القلب الرمزي للمدينة، فقد فقدت في نظر كثيرين جزءاً من بريقها وسط تجارب متتالية وتغييرات غير مستقرة في الفضاء.، الفضاء الذي صرفت عليه اوال طائلة و بدون نتيجة في الواقع.

الأخطر من مظاهر الاختلال، هو غياب الوضوح في من يقود فعلياً التدبير اليومي، حين يُقال إن دوائر القرار مركّزة داخل الديوان، وإن مستشار العمدة و مديرة الديوان يتحكمون في مفاصل الإدارة، وإن التفويضات لدى بعض النواب شكلية أكثر منها تنفيذية، فإن ذلك يطرح سؤال الحكامة: هل نحن أمام مؤسسة منتخبة تُفَعِّل آلياتها الديمقراطية، أم أمام إدارة متمركزة القرار؟

إن تجميع السلطات داخل حزب واحد كان يفترض أن يكون فرصة ذهبية لتسريع المشاريع وتجاوز البيروقراطية، لكن ما يحدث يشي بعكس ذلك: كثرة في البلاغات والندوات والصور، مقابل بطء في الأثر الملموس على الأرض. المواطن لا يحاكم بالخطاب، بل بالإحساس اليومي بجودة الطريق، ونظافة الحي، وانسيابية المرور، وأمن الفضاء العام.

الرهان عند بنت الباشا لم يعد محلياً فقط، فحين تُطرح طموحات وطنية، ويُتحدث عن استحقاقات كبرى، يصبح من المشروع مساءلة التجربة المحلية أولاً، من لم ينجح في إقناع ساكنة مدينته بنجاعة تدبيره، كيف سيقنع شعباً كاملاً بقدرته على إدارة رهانات أكبر على المستوى الوطني؟

النقد هنا ليس استهدافاً شخصياً، بل دفاعاً عن مبدأ بسيط: وفرة السلطة يجب أن تعني وفرة في النتائج، وإذا كانت كل أدوات القرار متاحة، فإن المسؤولية تصبح كاملة وغير قابلة للتجزئة.

مراكش لا تحتاج إلى شعارات براقة، ولا إلى حملات تلميع، تحتاج إلى رؤية واضحة، تنسيق فعلي بين القطاعات، احترام لآجال الإنجاز، وشفافية في صرف المال العام، تحتاج إلى أن تعود “مدينة البهجة” بهجتها من الشارع لا من المنصة، ومن الرصيف لا من الخطاب.

فالمدن لا تُدار بالتصفيق داخل القاعات، بل بثقة الناس في الخارج، وحين تتآكل هذه الثقة تحت وقع الحفر والغبار والاختناق، يصبح السؤال عن المسؤولية مشروعاً… بل واجباً.

التعليقات مغلقة.