الانتفاضة //// عبد المجيد العزيزي
يأتي كتاب مفهوم الحرية في التاريخ لراتب الحوراني في لحظة فكرية حرجة، تتكاثر فيها الأسئلة حول معنى الحرية وحدودها، خصوصًا في السياق العربي، حيث يختلط الخطاب الحقوقي بالواقع السياسي والاجتماعي المأزوم. لا يقدّم الحوراني إجابات جاهزة، بل يضع القارئ داخل مسار تاريخي طويل، يجعل من الحرية سؤالًا مفتوحًا أكثر منها حقيقة مستقرة.
الحرية: من المفهوم الكوني إلى السياق المشروط
من أبرز نقاط قوة الكتاب تعامله مع الحرية باعتبارها مفهومًا غير مطلق، يتغيّر بتغيّر الشروط التاريخية. فالحوراني لا ينخرط في خطاب تمجيدي للحرية بوصفها قيمة كونية مكتملة، بل يكشف كيف أنها كانت، في كثير من المراحل، حكرًا على فئات محددة، ومقيدة ببنى السلطة والاقتصاد والثقافة.
هذه المقاربة تكتسب أهمية خاصة عربيًا، حيث غالبًا ما تُستورد مفاهيم الحرية جاهزة من السياق الغربي، دون مساءلة شروط إنتاجها أو حدود تنزيلها.
إشكالية الفرد والجماعة: سؤال لم يُحسم بعد
يناقش الكتاب التوتر الدائم بين حرية الفرد ومتطلبات الجماعة، وهو توتر يتجلى بحدة في المجتمعات العربية، حيث تُستعمل أحيانًا مفاهيم مثل “الخصوصية الثقافية” أو “المصلحة العامة” لتبرير التضييق على الحريات الفردية.
ما يميّز طرح الحوراني أنه لا ينحاز بشكل تبسيطي لأي طرف، بل يبيّن أن الحرية دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، وأن الجماعة دون ضمانات للحرية قد تنزلق إلى الشمولية.
الحرية والثورة: من الحلم إلى المأزق
يتوقف الحوراني عند الثورات بوصفها لحظات انفجار تاريخي لمطلب الحرية، لكنه في الوقت نفسه يفكك الوهم القائل بأن الثورة تؤدي تلقائيًا إلى التحرر. وهذا الطرح يكتسب راهنية مضاعفة عند إسقاطه على تجارب عربية معاصرة، حيث رُفعت شعارات الحرية، لكن غياب الوعي التاريخي والمؤسساتي أدى في بعض الحالات إلى إعادة إنتاج أنماط جديدة من القمع.
نقد ضمني للواقع العربي
رغم أن الكتاب لا يركّز مباشرة على العالم العربي، إلا أن بنيته التحليلية تسمح بقراءة نقدية للواقع الراهن:
حرية سياسية بلا ديمقراطية فعلية.
حرية اقتصادية تخدم القلة.
حرية تعبير تصطدم بالخطوط الحمراء الاجتماعية والدينية.
هنا تتجلّى القيمة الحقيقية للكتاب، إذ لا يقدّم وصفات، بل يدرّب القارئ على التفكير في الحرية بدل الاكتفاء بالمطالبة بها كشعار.
خلاصة نقدية
مفهوم الحرية في التاريخ ليس كتابًا مريحًا، لأنه يزعزع المسلّمات، ويضع القارئ أمام مسؤولية فكرية:
الحرية لا تُمنح، ولا تُستورد، ولا تُختزل في نصوص قانونية، بل تُبنى تاريخيًا عبر الوعي، والممارسة، والنقد المستمر للسلطة وللمجتمع معًا.
إنه كتاب موجّه لمن يريد فهم لماذا تبدو الحرية في عالمنا العربي مطلبًا مؤجّلًا، ولماذا لا يكفي إسقاط الاستبداد السياسي وحده لبناء إنسان حر.
التعليقات مغلقة.