الانتفاضة $$ سعيد حجي
لا أعرف إلى أين انتهى هذا السجال القديم المتجدد حول الأمازيغية والعربية في المغرب، ولا إلى أي مآل سيقودنا إن ظللنا نعيد إنتاجه بالحرارة نفسها، وباللغة نفسها، وبالجرح نفسه. كأننا ندور داخل دائرة رمزية مغلقة، نعيد فيها طرح الأسئلة ذاتها، ونستهلك الكلمات ذاتها، ونراكم التعب ذاته، بينما الزمن يمضي، والبلاد تتغير، والناس يبحثون عن معنى أكثر اتساعا من هذا الاشتباك اللفظي الذي لا ينتهي….
سجال الهوية… ذلك الحقل الذي كلما ظنناه طريقا إلى تعريف الذات، اتضح أنه طريق إلى تشظيها، وإلى توسيع المسافة بين أفراد المجتمع الواحد، بين من يجلسون في المقهى ذاته، ويقتسمون الخبز ذاته، ويستظلون بالسماء ذاتها. الهوية حين تتحول إلى سؤال صراع، تفقد هدوءها الطبيعي، تفقد بعدها الإنساني، وتتحول إلى مادة توتر، إلى شحنة اجتماعية قابلة للاشتعال في أي لحظة…
عربي، أمازيغي … كلمات تتحول بسرعة إلى أسوار رمزية، إلى علامات تصنيف، إلى خرائط صغيرة داخل الرأس. المغرب في حقيقته كان دائما أوسع من خرائط الرأس، وأقدم من هذه القوالب التي نحشره فيها. هنا تتراكم طبقات التاريخ، تتجاور اللهجات، تتداخل الأنساب، تتقاطع الجغرافيا مع الذاكرة، وتتشكل شخصية جماعية لا تختزل في كلمة واحدة ولا في شعار واحد…
الهوية ليست بطاقة تعريف، وليست شعارا يرفع، وليست معركة تدار في مواقع التواصل. الهوية طبقات من الزمن، رواسب من الذاكرة، صدى الجغرافيا حين تتكلم في البشر. الهوية تشبه تربة عميقة، تحمل آثار العبور، آثار القوافل، آثار الحضارات التي مرت من هنا وتركَت شيئا من لغتها، من طقوسها، من ملامحها، ثم ذابت داخل المعنى المغربي الواسع…
أزمة اللغة تشتعل لأن اللغة سهلة الاستعمال كسلاح. اللغة وعاء، والوعاء لا يصنع الماء، ولا يمنح النبع عمقه. اللغة قد تكون جسرا، وقد تصبح متراسا. الأمم لا تنهض حين تجعل الجسر خندقا. الكلمات حين تفقد بعدها التواصلي تتحول إلى أدوات تعبئة، إلى أجهزة استقطاب، إلى آليات إنتاج للفرز الاجتماعي…
التاريخ المغربي ليس سطرا واحدا كي نتشاجر حول أسبقيته، ولا شجرة نسب كي نقتتل على جذعها الأول. التاريخ هنا تداخل، امتزاج، تعاقب موجات بشرية، عبور قوافل، تزاوج ثقافات، صعود إمبراطوريات وسقوطها، وقرى ظلت تعيش في صمتها الحكيم بعيدا عن ضجيج المركز. من يفتش عن “الأصل” كأنه يبحث عن حجر واحد في جبل، سينتهي إلى متاهة لا آخر لها، لأن الجبل ذاته مركب من آلاف الطبقات….
هناك من يريد أن يحول المسألة إلى سباق: من كان هنا أولا؟
من يملك حق التسمية؟ من يحق له أن يتحدث باسم الأرض؟ كأن الأرض توقيع قانوني، وكأن الجغرافيا عقد ملكية. الأرض ذاكرة مشتركة، والجبال لا تتحدث لغة واحدة، والبحر لا يسأل السفن عن أصول ركابها. الأرض تسع الجميع، والذاكرة حين تصبح ملكية حصرية تتحول إلى أداة قمع رمزي…
الريف ليس هامشا، وسوس ليست جزيرة، والأطلس ليس عزلة، والصحراء ليست فراغا. كل جهة تحمل سرديتها، تحمل نبرتها الخاصة، تحمل معجمها الداخلي الذي لا يلغي غيره. المغرب شبكة من التعدد، فسيفساء قديمة، كل قطعة فيها ضرورية كي يكتمل المعنى، وكل محاولة لاقتلاع قطعة بحجة النقاء تفسد اللوحة كلها…
في عمق هذا الصراع يختبئ شيء آخر: خوف اجتماعي، ارتباك سياسي، توتر رمزي. اللغة تتحول إلى راية لأن الرايات أسهل من المشاريع. الجدل حول الحروف والنطق يغطي أحيانا عجزا عن مواجهة الأسئلة الأثقل: العدالة، التعليم، الفقر، التنمية، المعنى. كم من مرة استعملت الهوية كقناع للهيمنة؟ كم من مرة صار النقاش حول الأمازيغية والعربية مجرد انعكاس لصراع السلطة داخل المجتمع؟
الهوية حين تفقد بعدها الإنساني تصبح أداة، تصبح تقنية تعبئة، تصبح جهازا لإنتاج الانقسام. وسط هذا كله أتذكر عبارة للمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون، ذلك الذي رأى كيف تصنع العصبيات مصائر الدول قبل أن تصنعها السيوف، حين لمح أن الجماعة حين تستغرق في توترها الداخلي تنسى عمرانها، وتنسى مستقبلها، وتتحول إلى كيان يلتهم ذاته ببطء….
ومن يريد أن ينجح، أن يبني، أن يخلق أفقا، يتجاوز أسر الهوية المغلقة. يفهم اللغة كأفق تواصل، كحق ثقافي، كثراء رمزي. يفهم الجغرافيا كقدر مشترك. يفهم التاريخ كذاكرة لا كسجن. الأمم تتقدم بالنظرة الثاقبة إلى المستقبل. التاريخ جميل حين يكون مرآة للعبرة، وحين يكون مدرسة للاتزان، لا حين يتحول إلى محكمة تفتيش…
“ليس الفتى من يقول كان أبي…” تلك الحكمة القديمة تظل كأنها تخرج من صميم هذه اللحظة المغربية: إنما الفتى من يقول ها أنا ذا، ها هو عملي، ها هو مشروعي، ها هي مساهمتي في الغد. أن نظل أبد الدهر نتعارك حول من كان الأول، من الأسبق، من الأحق… ذلك يتحول من فكرة تقرير الهوية إلى فكرة مرضية، إلى هوس جماعي، إلى عبودية رمزية نعيد إنتاجها جيلا بعد جيل….
ومن عاد ينقب في التاريخ الطويل دون بوصلة إنسانية سيتيه أكثر، سيضيع في أرشيف لا ينتهي، وسيغفل أن الحياة تحدث الآن، وأن المستقبل لا ينتظر من يكتبون بيانات الغضب. المغرب بتنوعه الثقافي والتاريخي كان منذ القدم إلى اليوم فضاء تلاقح، فضاء تعدد، فضاء عبور حضاري، فضاء تشكل مستمر…
لا فرق بين عربي أو ريفي أو سوسي أو شمالي أو أطلسي أو صحراوي حساني… كلها جذور في تربة واحدة، كلها أصوات في جوقة واحدة، كلها طبقات في معنى واحد. الهوية في آخر المطاف ليست سؤال “من أنا ضد من؟”الهوية سؤال “من نحن معا؟” مشروع أخلاقي قبل أن تكون شعارا لغويا. عقد اجتماعي غير مكتوب، يقوم على الاعتراف المتبادل، على الكرامة المشتركة، على أن الاختلاف لا يعني التهديد….
حين تصبح اللغة ساحة حرب، نخسر اللغة ونخسر الإنسان. حين تصبح الهوية جدارا، نخسر الوطن كأفق، ونربحه كخندق. المجتمع الذي ينشغل بتشريح جذوره أكثر مما ينشغل بإنبات أغصانه، يتحول إلى كائن تاريخي متعب، يعيش داخل سردية الماضي بدل أن يصنع سردية الغد….
ربما الحكمة الأعمق أن نترك الهوية تتنفس كحقيقة متعددة، وأن نترك اللغة تتعدد كغنى، وأن نلتفت إلى الأسئلة الكبرى: كيف نصنع عدالة رمزية؟ كيف نبني إنسانا حرا؟ كيف نحول التعدد إلى قوة حضارية؟ هنا فقط يصبح المغرب أكبر من سجال، وأعمق من انقسام، وأصدق من كل التصنيفات….
في العمق، المسألة تتجاوز اللغة بوصفها أصواتا، تتجاوز الهوية بوصفها شارة، المسألة تمس البنية العميقة للوعي الجمعي، تمس علاقة المجتمع بذاته، تمس سؤال الشرعية الرمزية داخل المجال العام. حين تتحول الهوية إلى رأس مال اجتماعي، وحين تصير اللغة أداة تموقع داخل الحقل السياسي، ينكشف الوجه السوسيولوجي للصراع: صراع على الاعتراف، صراع على المركز، صراع على من يملك حق سرد الحكاية الوطنية…
المغرب في جوهره تجربة تاريخية في التعدد، تجربة في الامتزاج، تجربة في تركيب المعنى من اختلافاته. الهوية المغربية ليست معطى جامدا، إنها سيرورة، دينامية، تشكل مستمر داخل الزمن. من هنا يصبح التفكير في الهوية تفكيرا في المستقبل، في إمكانات العيش المشترك، في بناء أفق يتجاوز العصبيات، في تأسيس مواطنة رمزية لا تقاس بالأصل بل بالمساهمة، لا تقاس باللسان بل بالفعل، لا تقاس بالانتماء المغلق بل بالانفتاح الحضاري…
ذلك هو السؤال الفلسفي العميق: كيف نصنع وطنا لا يختزل في صراع أسماء؟ كيف نحول التعدد من عبء إلى طاقة؟ كيف نعيد للغة معناها الإنساني، وللهوية بعدها الأخلاقي، وللتاريخ حكمته الهادئة؟ هناك، فقط هناك، يبدأ المغرب الحقيقي… المغرب الذي يسكن المستقبل أكثر مما يسكن الأرشيف، المغرب الذي يتقدم حين يتصالح مع فسيفسائه، وحين يفهم أن الاختلاف قدر جمالي، وأن الوحدة مشروع إنساني، وأن الغد أوسع من كل الخنادق الرمزية.
التعليقات مغلقة.