الهوتة البصرية

الانتفاضة $$$ يوسف الساكت

من اجل تنشيط الذاكرة…ووضع الأجيال الجديدة (خصوصا الشباب) في صورة تاريخ مدينتهم وجماعتهم ومقاطعاتهم حتى لا يكذب عليهم احد، او يتحايل عليهم المتحايلون!!’

نعود بالذاكرة هنا إلى إضراب 20 يونيو 1981 بالدار البيضاء،

الذي تحول إلى مواجهات دامية عرفت رسميا بـ”أحداث الدار البيضاء” ووصفه إدريس البصري تهكما بـ”انتفاضة كوميرة”.

شكل هذا الإضراب لحظة مفصلية في تاريخ الدولة المغربية الحديث.

ففي سياق أزمة اقتصادية خانقة وارتفاع الأسعار بفعل سياسات التقويم الهيكلي، دخلت البلاد مرحلة إعادة ترتيب عميق للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين وزارة الداخلية والحقلين الحزبي والنقابي.

كان إدريس البصري، وزير الداخلية القوي في عهد الحسن الثاني، يعتبر أن ما جرى لم يكن مجرد احتجاج اجتماعي، وانما مؤشرا على قابلية الفضاء السياسي للانفلات.

ومن ثم، استندت مقاربته إلى ما يسميه عدد من الباحثين بـ”إعادة هندسة المجال السياسي”، أي الانتقال من احتواء المعارضة إلى ضبط شروط اشتغالها والتحكم في مسارات صعودها.

تبرز أعمال باحثين في تاريخ المغرب المعاصر، من بينهم عبد الله العروي ومحمد ضريف، أن مرحلة ما بعد 1981 شهدت تكثيفا لسياسات إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية والإدارية.

كان التقطيع الترابي اكثر إجراء تقني،

وتحول إلى أداة لإعادة توزيع الثقل الديمغرافي والسياسي بما يضعف معاقل أحزاب المعارضة التاريخية، وعلى رأسها حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.

في هذا السياق، برزت الدار البيضاء كمختبر عملي لهذه الهندسة.

فقد شهدت مقاطعات ذات كثافة شعبية عالية، مثل ابن امسيك وسيدي عثمان والحي المحمدي والحي الحسني وعين الشق، والبرنوصي لاحقا، تصعيد نخب جديدة ووجوه انتخابية صعدت بسرعة لافتة خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات.

كانت هذه المناطق، بحكم تركيبتها الاجتماعية والعمالية، مجالاً حساسا بعد أحداث 1981، ما جعل السلطة تراهن على بروز أعيان محليين وفاعلين جدد تربطهم علاقات مباشرة بالإدارة، ويشتغلون ضمن منطق الوساطة الاجتماعية والانتخابية بدل التعبئة الإيديولوجية.

وقد ترافق ذلك مع تعزيز حضور ما سمي في الأدبيات بـ”الأحزاب الإدارية”، مثل الاتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار، وتوسيع قاعدة المنتخبين المستقلين القريبين من دوائر القرار، والتحق بهم بعد ذلك ما يسمى “بالبناية”، كما يقول عزيزي Arbi Riad.

وتشير دراسات سوسيولوجية إلى أن هذه النخبة لم تبن على أساس مشروع فكري متكامل، بل على شبكات الزبونية وتبادل المصالح، اي دعم إداري ولوجستي وإعلامي وعلاقات مشبوهة، فيها كثير من “قلة الحياء”، مقابل انضباط سياسي وضبط المجال المحلي.

في المقابل، لم تكن كل الدوائر قابلة لإعادة التشكيل بنفس الوتيرة.

فقد استمرت المقاومة الانتخابية والسياسية في بعض المناطق ذات الطابع البرجوازي أو ذات التقاليد الحزبية الراسخة، مثل المعاريف، حيث ظل نفوذ المعارضة قويا إلى منتصف التسعينيات، بل واستمر تأثيرها إلى بداية الألفية الثالثة.

ويعكس هذا التباين طبيعة التفاعل بين البنية الاجتماعية المحلية وآليات الضبط الإداري.

فحيثما كانت الشبكات الحزبية عميقة ومتجذرة، كانت عملية “إعادة الهندسة” أكثر بطئاً وتعقيدا.

إن قراءة هذه المرحلة، في ضوء تقارير حقوقية ووثائق برلمانية ودراسات أكاديمية، تكشف أن ما جرى بعد 1981 لم يكن انقلابا فجائيا على النخب بقدر ما كان عملية طويلة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل الحقل السياسي، خصوصا في المدن الكبرى.

لقد أعادت وزارة الداخلية رسم الخرائط – جغرافيا عبر التقطيع، وسياسيا عبر صناعة نخب جديدة – لكن ذلك لم ينه تماما دينامية المعارضة، بل أجل صراعها إلى محطات لاحقة، ستبرز بوضوح مع مسار الانفراج السياسي في أواخر

التسعينيات والتناوب التوافقي سنة 1998، قبل بروز فاعلين جدد في الساحة مثل العدالة والتنمية.

التعليقات مغلقة.