الانتفاضة === سعيد حجي
كانت صديقة لي على موقع الفيسبوك، من أولئك الذين يمرّون في حياتك كطيف رقميّ، ثم يقرّرون فجأة أن يهبطوا من شاشة الهاتف إلى أرض الواقع. وصلتْ من بلجيكا منذ أيام، عرضتْ عليّ لقاء عن قرب، تعارفا خارج اللغة الباردة للرسائل، وخارج تلك المسافات التي يصنعها الضوء.
اتفقنا منذ البارحة على موعد في مطعم فاخر، مطعم يملك من الأبهة ما يكفي ليجعل كأسا واحدا من الشراب يساوي ثمن سروالي وقميصي.
وكان في الأمر شيء من السُّؤْدَد القديم، شيء من امتحان الرجولة كما يتخيله الناس في المدن الحديثة…
قلت في نفسي: ينبغي أن أسبق الموعد بعشر دقائق. فالسبق في مثل هذه اللقاءات ليس مسألة وقت، هو مسألة صورة، مسألة ميزان قوى خفيّ، مسألة رجل يريد أن يبدو وفيّا لكلمته. دخلتُ المطعم قبلها، وجلست كمن يجلس داخل مسرح لا يعرف دوره بعد. الزبائن حولي كانوا يدورون في دوائرهم اللامعة، رفقة خليلات معطّرات، يحملون نظرات تشبه المجاهر الاجتماعية، يفحصون ملامحي الشاحبة، يقرأون على وجهي انتماء طبقيا غير منسجم مع مفارش الطاولات الثقيلة…
في تلك اللحظة شعرتُ بمعنى الهيبة كما كان يفهمها الأقدمون، هيبة لا تأتي من المال، بل من القدرة على التماسك وسط الإحراج.
ولكي أصرف عني أعينهم، أخرجت جريدة قديمة، جريدة تشبه أوراق التاريخ المهملة، وبدأت أتصفحها بلا اكتراث مصطنع. كنت أقرأ العناوين كأنني أقرأ قدري، وأقلب الصفحات كأنني أقلب طبقات المجتمع.
بين كل سطر وسطر كان هناك سؤال مكتوم: ماذا يفعل رجل مثلي هنا؟ وكيف يمكن لمكان أن يفضحك دون أن ينطق؟
كان المطعم كمدينة مصغّرة، مدينة تقاس فيها القيمة بثمن الكأس، ويقاس فيها الحضور بمقدار ما تملك لا بمقدار ما أنت عليه. وذلك معنى الحِكْمَة المرّة…
ثم رأيتها تدخل… ولم تكن وحدها.
جاءت ومعها صديقة أخرى، كأن اللقاء منذ البداية لم يكن لقاء، بل لجنة صغيرة للتحقيق الاجتماعي.
من النظرة الأولى اتضح أنها من النوع الذي يعتقد نفسه آخر سلالة باقية على وجه الأرض.
وجهها مثقل بالمساحيق حتى صار أقرب إلى قناع منه إلى ملامح بشرية. كانت تتحرك بثقة مصطنعة، بثقة من يعرف أن المدينة تمنح الامتياز لمن يشبه صورتها المتخيلة عن الجمال.
في تلك اللحظة تذكرت معنى الزَّهو الذي يلبس الإنسان كالثوب…
سلّمت عليّ وجلستا.
ومنذ الجلسة الأولى تسلل إلى قلبي شعور غريب، شعور بأن هناك شيئا غير طبيعيّ في الهواء.
كنت كمن يجلس على كرسيّ فوق أرض رخوة.
الضحكات كانت أكثر من اللازم، النظرات كانت متقاطعة، الهمسات تحمل طعم التواطؤ.
وأنا، ابن الوالدين، الذي تربّى على ألا يكون مادة للسخرية، شعرت أنني داخل مشهد يُراد له أن ينتهي بإهانة صغيرة…
وكان في داخلي صوت قديم، صوت المروءة، يحاول أن يبقى واقفا.
وبينما كانت إحداهما تتحدث، التفتت الأخرى إليّ فجأة وقالت ببرودٍ جارح: “عافاك خويا… واش ما تقدرش تخرج تسخر ليا، جيب ليا باكية سجائر؟”..
كانت العبارة كافية لتسقط كحجر على وجه رجل يحاول أن يبدو مهمّا.
لحظة قصيرة، لكنها ممتدة كالعمر. شعرت بمرارة تشبه الحنظل تسري في حلقي.
لم تكن مجرد طلب سجائر، كانت اختبارا للطبقة، اختبارا للدور الذي يريدون وضعي فيه: رجل يُستدعى للخدمة، رجل يعامل كعامل مؤقت في مسرح نسائي ساخر….
في داخلي اشتعل معنى الذلّ كما وصفه الشعراء.
تظاهرت أنني لم أسمع.
حاولت أن أبتلع الإهانة مع الصمت. لكن الصمت لا يهضم بسهولة. طلبتُ كوبا من الشراب، ثم كوبا آخر، كأنني أضع طبقات من الزعزع والباناشي فوق جرح مفتوح.
كنت أعرف أن الفاتورة في النهاية ستكون وحشا ينتظر. وكنت أرى في ضحكاتهن المتتالية مشروع جاهزا: رجل سيسدد، ثم يخرج مطأطئ الرأس.
وهنا تذكرت تلك الجملة الروائية التي تمرّ في الأدب كخنجر ناعم:”في المدن، لا أحد يراك كما أنت…
الجميع يراك كما يستطيعون استعمالك.”..
قررت أن أنهي المسرحية قبل أن تكتمل.
التفتُّ إلى صاحبة الوجه المدهون وقلت ببرود مصطنع:”واش نخرج نتسخر لك؟”
ومددت إليها يدي.
لحظة ارتباك مرت على وجهها، ثم أخرجت من حقيبتها مترددة ورقة خمسين يورو.
كانت تظن أنني سأقول: لا بأس، عندي “الصرف” ، أو سأقوم بدور الرجل الكريم الذي ينقذ الموقف.
لكنني كنت قد وصلت إلى لحظة الانعتاق.
أخذت الورقة دون تردد، وقمت.
خرجت بسرعة من الباب الجانبي للمطعم.
لم أنظر خلفي.
كنت أتحرك كمن يهرب من شبكة رمزية لا من مكان.
عبرتُ الزقاق المقابل، ثم في آخر الحي رأيت متسولة عجوزا، وجهها يحمل خرائط البؤس الحقيقي.
مددت لها الخمسين يورو، وتركتها في يدها كما يترك الإنسان اعترافا متأخرا.
ثم أعطيت ساقي للريح، وأنا أسترجع منظرهن المضحك وهن ينتظرنني، ينتظرن عودتي بالسجائر وبالفاتورة وبالدور الكامل.
في تلك اللحظة، لم يكن الأمر مجرد خدعة صغيرة. كان مشهدا مكثفا عن المجتمع كله. عن العلاقات التي تُبنى على الاستعراض، عن اللقاءات التي تتحول إلى محاكم طبقية، عن الإنسان الذي يقاس بثمن الكأس لا بثقل روحه.
هناك في المطعم كانت الرأسمالية اليومية تمارس طقوسها البسيطة: امرأة تملك العملة، رجل يُطلب منه أن يثبت رجولته عبر الدفع، ضحكة تتحول إلى سلطة، وطلب سجائر يتحول إلى إهانة وجودية…
وكانت المدينة كلها تتجسد في تلك الطاولة: الاستهلاك كدين حديث، والطبقة كقدر مكتوب، والكرامة كعملة نادرة.
الفلسفة هنا لا تأتي في شكل كتب مغلقة، قد تأتي في شكل مواقف صغيرة. الإنسان في عصرنا يُختبر في تفاصيل تافهة: هل ستدفع؟ هل ستخضع؟ هل ستضحك معهم أم تصبح مادة للضحك؟ المجتمع يصنع أقنعته عبر المقاهي والمطاعم أكثر مما يصنعها عبر البرلمانات.
نحن نعيش داخل اقتصاد رمزيّ، حيث النظرة تساوي حكما، وحيث المال يتحول إلى لغة، وحيث الفقر ليس نقصا في الجيب وحده، إنما موقعا في المخيلة الجماعية.
وهكذا خرجت وأنا أردد في داخلي، بضحكة مرة، أنهم سيبقون هناك ينتظرون عودتي …
حتى يصابوا بالبواسير، كما يقيس كل متعال بحقيقته حين يسقط القناع…
التعليقات مغلقة.