الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
عاد ملف تدبير المال العام والجماعات الترابية إلى واجهة النقاش السياسي والقضائي بالمغرب، مباشرة بعد الحكم الاستئنافي الثقيل الذي أدان محمد مبديع بـ13 سنة سجنا نافذا، في قضية هزت الرأي العام وكرست توجها جديدا نحو تشديد الخناق على المنتخبين والمسؤولين المتورطين في شبهات تبديد المال العام واستغلال النفوذ.
وفي خضم هذا الزلزال القضائي، تتجه الأنظار إلى مدينة مراكش، حيث تواجه فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة المدينة ووزيرة إعداد التراب الوطني، موجة انتقادات وتساؤلات حادة بشأن ملفات عقارية مثيرة للجدل قد تضعها بدورها في قلب عاصفة سياسية وقضائية شبيهة بما عاشه مبديع.
الشرارة انطلقت بعد تصريحات قوية لمحمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، كشف فيها أن مجلس جماعة مراكش صادق على تفويت عقار بمنطقة الحي الشتوي، إحدى أغلى المناطق العقارية بالمغرب، بسعر لا يتجاوز 3000 درهم للمتر المربع، في وقت تؤكد فيه المعطيات المتداولة أن القيمة الحقيقية للعقار تصل إلى حوالي 30000 درهم للمتر.
واعتبر الغلوسي أن ما جرى يطرح علامات استفهام كبرى حول احترام قواعد الشفافية والمنافسة وتكافؤ الفرص، مطالبا العمدة بالخروج للرأي العام وتوضيح ملابسات الصفقة والجهة المستفيدة منها، خاصة وأن الأمر يتعلق بعقار عمومي في منطقة استراتيجية بمراكش.
الملف لم يتوقف عند حدود التفويت العقاري، بل امتد إلى الحديث عن شبهات تضارب مصالح وتغييرات إدارية وصفت بالمريبة، بعد تداول معطيات تفيد بإعفاء مسؤولين رفضوا التأشير على مشاريع مرتبطة بالعقار المعني، قبل أن تتسارع التحولات داخل بعض المؤسسات المرتبطة بالتعمير والوكالة الحضرية عقب تولي المنصوري مهامها الوزارية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عقد بيع ضخم بقيمة 266 مليون درهم، مؤرخ في أكتوبر 2023، تضمن توصيف العقار كأرض “فلاحية”، في حين تؤكد مصادر متتبعة للملف أن المشروع كان في الأصل مشروعا عقاريا جاهزا، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التساؤلات بشأن طبيعة الصفقة والمساطر التي أحاطت بها.
الغضب الحقوقي تصاعد أكثر بعدما ربطت الجمعية المغربية لحماية المال العام هذه القضية بملفات سابقة شهدتها مراكش، وعلى رأسها ملف “كازينو السعدي”، الذي ظل لسنوات عنوانا للجدل المرتبط بتفويت العقارات العمومية بأثمان وصفت بالرمزية.
هذه التطورات القضائية الأخيرة في ملف محمد مبديع تحمل رسائل واضحة إلى المنتخبين والمسؤولين الترابيين، مفادها أن مرحلة الإفلات من المحاسبة لم تعد كما كانت، خاصة في ظل تصاعد مطالب الشارع بتفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” وعدم الاكتفاء بالشعارات السياسية.
وكانت محكمة الاستئناف قد أيدت أول أمس الخميس 21 ماي الجاري الحكم الصادر في حق محمد مبديع، الوزير السابق والقيادي السابق بحزب الحركة الشعبية، بعد متابعته بتهم ثقيلة شملت تبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء والتزوير، في ملف تفجر عقب شكاية للجمعية المغربية لحماية المال العام تحدثت عن شبهات اغتناء غير مشروع وتلاعب في الصفقات العمومية ونفخ للفواتير.
هذا الحكم، الذي وصف بأنه من أقوى الأحكام في قضايا الفساد المالي بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، أعاد بقوة سؤال المحاسبة السياسية والقضائية إلى الواجهة، وفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول ما إذا تكون مراكش على موعد مع زلزال جديد وهل يتحول ملف التفويتات العقارية إلى قضية قضائية قد تُسقط أسماء سياسية بارزة كما حدث مع مبديع؟