الانتفاضة/ أكرام
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، أضحت المنصات الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، حيث تحولت من مجرد وسائل للتواصل والترفيه إلى فضاءات مفتوحة للتأثير في القيم والسلوكيات وأنماط التفكير. وبينما تتيح هذه المنصات فرصا مهمة للتعلم والانفتاح على المعرفة، فإنها في المقابل تحمل مخاطر متزايدة، خاصة بالنسبة للفئات العمرية الناشئة التي تفتقر في الغالب إلى النضج الكافي للتعامل النقدي مع ما يعرض عليها من محتويات.
وفي هذا السياق، يأتي توجه وزارة الثقافة لإعداد مشروع قانون جديد يهدف إلى حماية القاصرين من المخاطر الرقمية، وعلى رأسها تطبيق “تيك توك”، استجابةً لمخاوف متصاعدة بشأن انتشار ما وصف بمظاهر “التفاهة والانحراف” والمحتويات غير الملائمة للأطفال. فخلال العقدين الأخيرين، أفرز الانتشار الواسع لوسائط التواصل الاجتماعي فضاء رقميا يتقاطع فيه الحق في حرية التعبير مع تحديات أخلاقية وتربوية وأمنية معقدة، ما جعل مسألة التنظيم القانوني ضرورة ملحة وليست مجرد خيار.
وقد أبرز الوزير في جوابه البرلماني أن هذا الانفتاح غير المؤطر أسهم في انتشار محتويات عنيفة وخطابات كراهية وأخبار زائفة، إضافة إلى إعلانات تجارية تستهدف الأطفال بطرق غير مسؤولة. كما ظهرت تهديدات أخرى تتعلق بانتهاك الخصوصية الرقمية والاستغلال المفرط للمعطيات الشخصية، الأمر الذي يعرض القاصرين لمخاطر نفسية وسلوكية قد تكون آثارها بعيدة المدى.
ويروم مشروع القانون المرتقب، الذي سيأتي في شكل مدونة جديدة للاتصال السمعي البصري، تحقيق توازن دقيق بين حماية حرية التعبير وصون القيم المجتمعية. فالتحدي لا يكمن في تقييد الفضاء الرقمي أو فرض الرقابة الصارمة، بل في وضع قواعد واضحة تحمل المنصات مسؤوليات قانونية وأخلاقية، وتعزز آليات التنظيم الذاتي والرقابة المؤسساتية، بما يضمن بيئة رقمية آمنة وشفافة.
كما يسعى المشروع إلى سد ما اعتبر “فراغا تشريعيا” تستغله بعض المنصات الأجنبية للعمل خارج نطاق القوانين الوطنية، وترسيخ مفهوم السيادة الرقمية بما يخدم مصلحة المجتمع ويحمي أجياله الصاعدة. فحماية الأطفال في العصر الرقمي لم تعد مسؤولية الأسرة أو المدرسة فقط، بل أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود الدولة والمؤسسات والمنصات نفسها.
وفي النهاية، يبقى الرهان الأساسي هو بناء فضاء رقمي يوازن بين الانفتاح والحماية، ويمكن الأطفال من الاستفادة من التكنولوجيا دون الوقوع في مخاطرها.
التعليقات مغلقة.