الانتفاضة : ذ. ياسين العثماني
بين الدستور والدين والواقع السياسي
يثير احتمال تولي امرأة رئاسة الحكومة في المغرب نقاشًا متجددًا، يجمع بين أسئلة الدستور، وتأويلات المرجعية الدينية، وحسابات الواقع السياسي والاجتماعي. نقاشٌ لا ينفصل عن التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، ولا عن طبيعة النظام الدستوري القائم على إمارة المؤمنين والمؤسسات التمثيلية في آنٍ واحد.
الإطار الدستوري: لا مانع قانونيًا
يقرّ دستور 2011 بوضوح مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات، وينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية، دون أي تمييز على أساس الجنس. وعليه، فإن تولي امرأة رئاسة الحكومة ممكن دستوريًا وقانونيًا، ولا يوجد أي نص يمنع ذلك صراحة أو ضمنًا.
المرجعية الدينية: بين الإمامة والوظيفة السياسية
يُثار أحيانًا إشكال ديني، خاصة في ما يتعلق بحضور رئيس الحكومة بعض المناسبات الدينية إلى جانب الملك، كصلاة العيد أو التراويح أو الدروس الحسنية. غير أن الفقه الإسلامي، بمذاهبه المعتبرة، يميز بوضوح بين الإمامة الدينية والحضور المؤسسي.
فالملك، بصفته أمير المؤمنين، هو صاحب الصفة الدينية الشرعية، بينما يحضر رئيس الحكومة – رجلًا كان أو امرأة – بصفته السياسية فقط. وقد أجمعت الآراء الفقهية المعاصرة على أن المرأة يجوز لها حضور الصلوات الجامعة، وأن المنع ينصب فقط على تولي الإمامة بالرجال أو التقدم عليهم في الصف، لا على القرب المكاني المنظم ولا على الحضور الرسمي.
وعليه، فإن الإشكال المطروح ليس إشكالًا شرعيًا قطعيًا، بل تنظيمي وبروتوكولي يمكن تكييفه دون مساس بجوهر الدين أو هيبة المؤسسات.
السياسة والواقع: العائق الحقيقي
رغم الإمكان الدستوري والقبول الفقهي، يبقى العائق الأساسي سياسيًا وثقافيًا. فالأحزاب الكبرى في المغرب ما زالت ذات قيادة ذكورية، والنساء نادرًا ما يصلن إلى مراكز القرار الحزبي العليا. كما أن الحسابات الانتخابية، المرتبطة بطبيعة القاعدة الناخبة المحافظة نسبيًا، تجعل الأحزاب مترددة في الدفع بمرشحات لقيادة الحكومة.
إضافة إلى ذلك، لم تفرز الساحة السياسية إلى الآن شخصية نسائية تجمع بين:
1-الشرعية الحزبية القوية.
2-القبول المجتمعي الواسع.
3-الخبرة السياسية القادرة على قيادة تحالف حكومي معقّد.
>>>السيناريوهات الممكنة
نظريًا، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
أولا :امرأة تقود حزبًا كبيرًا ويتصدر الانتخابات (وهو احتمال ضعيف حاليًا).
ثانيا:امرأة مرشحة توافقية من داخل الحزب المتصدر في حال تعذر ترشيح زعيمه.
ثالثا:تحول سياسي ومجتمعي أعمق يفرز قيادة نسائية قوية على المدى المتوسط.
خلاصة القول ،إن رئاسة امرأة للحكومة في المغرب ليست مستحيلة، ولا تتعارض مع الدستور ولا مع المرجعية الدينية، لكنها تظل، في المرحلة الحالية، سابقة لأوانها سياسيًا ولازال أمامها أشواااط لتتحقق . فالعقبة الحقيقية لا تكمن في النصوص ولا في الفقه، بل في بنية الأحزاب، وثقافة النخب، وسلوك الناخب.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيكون المغرب، في أفق قادم، مستعدًا للانتقال من إمكانٍ نظري إلى ممارسة سياسية فعلية؟.
الإجابة ستحددها صناديق الاقتراع… وتغير العقليات .
التعليقات مغلقة.