الانتفاضة/ ابراهيم اكرام
لم يكن ما عاشه المشهد السياسي المغربي خلال مرحلة عزيز أخنوش مجرد تعثر حكومي عابر، ولا يمكن اختزاله في شخص رئيس حكومة غادر الواجهة أو تراجع نفوذه داخل حزبه. ما حدث في العمق هو اهتزاز نموذج سياسي كامل بُني على وهم أن المال، والتكنوقراط، والتنظيم الانتخابي المحكم يمكن أن يعوّض غياب الحس السياسي والاجتماعي.
من “حكومة الكفاءات” إلى أزمة ثقة شاملة
روج لحكومة أخنوش باعتبارها حكومة “النجاعة” و”الكفاءات”، لكن الواقع كشف سريعا أن الكفاءة التقنية، حين تنفصل عن السياسة، تتحول إلى برودة قاتلة في التعامل مع المجتمع.
فالمواطن المغربي لم يكن ينتظر معجزات، بقدر ما كان ينتظر الإنصات، والصدق، والشعور بأن من يحكمه يتقاسم معه القلق.
غير أن الحكومة واجهت الأزمات المتلاحقة – تضخم، بطالة، تراجع القدرة الشرائية – بلغة الأرقام والتقارير، في وقت كان فيه الشارع يصرخ بلغة المعاناة اليومية.
تضارب المصالح: حين تتحول الإشكالية إلى رمز
لم يكن تضارب المصالح مجرد ملف قانوني أو نقاش أخلاقي عابر، بل أصبح عنوانا سياسيا لمرحلة بأكملها.
غياب الفصل الواضح بين الثروة والسلطة لم يُدار كإشكال مؤسساتي يُعالج بقوانين وآليات رقابة مستقلة، بل ترك ليستنزف الثقة العامة ويحوّل رئيس الحكومة، رمز الدولة التنفيذية، إلى موضع تشكيك دائم.
وهنا لا تكمن الخطورة فقط في الواقعة، بل في طريقة التعاطي معها: الصمت، أو التقليل من شأن الغضب الشعبي، وكأن الشرعية الانتخابية كافية لإسكات الأسئلة الأخلاقية.
الاقتصاد بين الظرفية العالمية وسوء التدبير السياسي
صحيح أن الحكومة اشتغلت في سياق دولي بالغ التعقيد، لكن هذا لا يعفيها من المسؤولية السياسية.
الفرق بين الأزمة والتدبير هو الاختيار:
-هل نحمي المقاولات الصغرى أم نتركها تسقط؟
-هل نتدخل في سوق المحروقات أم نكتفي بالمشاهدة؟
-هل نُصارح المواطن أم نُخاطبه من برج تقني عاجي؟
في هذا المستوى، فشلت الحكومة في تحويل الظرفية الصعبة إلى فرصة لبناء تعاقد اجتماعي جديد، واكتفت بإدارة الأزمة دون سياسة.
مقارنة مع العدالة والتنمية: فشل بنكهتين مختلفتين
إذا كانت حكومتا العدالة والتنمية قد فشلتا في تحقيق العدالة الاجتماعية الموعودة، فإنهما فشلتا وهما تمارسان السياسة: خطاب، صراع، تبرير، مواجهة.
أما حكومة الأحرار، فقد فشلت وهي تحاول إلغاء السياسة وتعويضها بالتدبير.
العدالة والتنمية سقط لأنه استهلك رصيده الأخلاقي.
والأحرار اهتزوا لأنهم لم يملكوا أصلا رصيدا سياسيا أو وجدانيا مع المجتمع.
موقف الدولة: البراغماتية الباردة
الدولة المغربية، في بعدها الاستراتيجي، لا تحكمها العواطف ولا الولاءات الحزبية.
موقفها من مرحلة أخنوش يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط:
الاستقرار أولًا:
الدولة وفرت الغطاء المؤسساتي للحكومة، وضمنت استمرارية المؤسسات، ولم تسمح بانزلاق نحو الفوضى أو القطيعة.
عدم الاستثمار في الفشل:
لم تدافع الدولة عن الحكومة سياسيا، ولم تتبنّ خطابها، بل حافظت على مسافة واضحة، تاركة منطق المحاسبة السياسية يأخذ مجراه.
التحضير لما بعد النموذج:
الدولة لا تراهن على الأشخاص، بل على التوازنات. ومع اهتزاز نموذج “الحزب الإداري العصري”، بدأ البحث بهدوء عن صيغ جديدة لإعادة إنتاج المشهد دون كلفة اجتماعية كبرى.
أفق الانتخابات المقبلة: لا منتصر حقيقي
الانتخابات القادمة، إن جرت بنفس الوجوه والخطابات، لن تكون لحظة حسم، بل لحظة عزوف.
المغاربة اليوم لا يسألون: من سيحكم؟
بل: لماذا نصوّت أصلًا؟
في غياب مشروع سياسي مقنع، ستُحسم النتائج بأقل نسب مشاركة، وسيصل الفائزون لا على موجة التأييد، بل فوق ركام اللامبالاة.
الخلاصة
ما انتهى ليس مرحلة أخنوش فقط، بل وهم أن السياسة يمكن أن تُدار كصفقة، وأن المجتمع يمكن اختزاله في أرقام.
الدولة فهمت الرسالة.
ويبقى السؤال: هل فهمتها الأحزاب؟
التعليقات مغلقة.