الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
في ظرفية وطنية دقيقة تتقاطع فيها التحديات الاجتماعية مع الإكراهات المؤسساتية والملفات القضائية، اختار حزب العدالة والتنمية أن يوجه عدة رسائل سياسية في أكثر من اتجاه، جامعا بين الدعوة إلى التدخل العاجل لمواجهة آثار الفيضانات، والتنبيه إلى مخاطر تعثر مرفق العدالة بسبب أزمة قانون المحاماة، إلى جانب إعلانه التضامن مع أحد قياداته بعد صدور حكم قضائي في حقه.
بلاغ الأمانة العامة للحزب عكس انشغالا واضحا بتداعيات الفيضانات والسيول الأخيرة التي شهدتها عدد من المناطق، خاصة بإقليمي سيدي قاسم وسيدي سليمان وسوق الأربعاء والقنيطرة، حيث خلفت خسائر مادية معتبرة مست بالأساس الأنشطة الفلاحية وتربية الماشية، وهما مصدر رزق رئيسي لساكنة العالم القروي.
ودعا الحزب السلطات المعنية إلى مواصلة التفاعل مع نداءات الاستغاثة وطلبات المساعدة، مؤكدا على ضرورة تسريع الاستجابة للحاجيات الأساسية للأسر المتضررة، سواء من حيث المأوى أو الإعاشة أو الدعم اللوجستي. كما شدد على أهمية الالتفات إلى احتياجات الماشية، باعتبارها ليست مجرد نشاط اقتصادي ثانوي، بل ركيزة أساسية لاستقرار الأسر القروية وضمان أمنها المعيشي.
هذا الموقف يندرج في سياق أوسع يتصل بالنقاش المتجدد حول تدبير الكوارث الطبيعية والهشاشة الاجتماعية في الوسط القروي، حيث تتكرر المطالب بضرورة الانتقال من منطق التدخل الظرفي بعد وقوع الأضرار إلى سياسات استباقية تقوم على الوقاية والتأمين وتعزيز البنيات التحتية. فالتغيرات المناخية باتت تفرض واقعا جديدا، يجعل الفيضانات والسيول أحداثا شبه دورية، ما يستدعي خططا أكثر استدامة لحماية الساكنة ومصادر عيشها.
وفي سياق موازٍ، انتقل الحزب إلى ملف لا يقل حساسية، يتعلق بأزمة مشروع القانون رقم 66.23 الخاص بتنظيم مهنة المحاماة، والذي أثار خلال الأشهر الأخيرة جدلا واسعا بين الحكومة وهيئات المحامين، وأفضى إلى أشكال احتجاجية وإضرابات أثرت على السير العادي للمحاكم.
وفي هذا الإطار، دعا “البيجيدي” الحكومة ووزير العدل وجمعية هيئات المحامين وعموم المحاميات والمحامين إلى إعمال فضيلة الحوار، حفاظا على استمرارية مرفق العدالة وضمان حقوق المتقاضين. واعتبر الحزب أن أي تعثر في أداء المحاكم ينعكس مباشرة على المواطنين، خاصة الفئات الهشة التي ترتبط مصالحها اليومية بالقضاء، سواء في النزاعات الأسرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
وأكد الحزب تمسكه بضرورة الحفاظ على حصانة الدفاع واستقلالية مهنة المحاماة وتدبير شؤونها بشكل ذاتي، بالنظر إلى الأدوار الجوهرية التي تضطلع بها في حماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة. كما استحضر المقتضيات الدستورية، لاسيما الفصلين 118 و120، اللذين ينصان على ضمان حق التقاضي وتوفير شروط الدفاع.
وتعكس هذه الدعوة إلى الحوار محاولة للتموقع كطرف يدفع نحو التهدئة المؤسساتية وتغليب منطق التوافق، بدل منطق التصعيد. فاستمرار الإضراب المفتوح للمحامين، من وجهة نظر الحزب، لا يضر فقط بالحكومة أو الوزارة الوصية، بل ينعكس أساسًا على المتقاضين ويؤثر على الثقة في منظومة العدالة ككل.
وفي خضم هذه القضايا الاجتماعية والمهنية، لم يغب البعد الحزبي الداخلي عن البلاغ، حيث عبر العدالة والتنمية عن تضامنه مع العربي بلقايد، عضو المجلس الوطني للحزب وعمدة مراكش السابق، على خلفية الحكم الابتدائي الصادر في حقه في قضية صفقات مؤتمر المناخ “كوب 22”.
وأعلن الحزب عدم الخوض في تفاصيل الملف إلى حين الاطلاع الكامل على حيثيات الحكم، في إشارة إلى احترام المسار القضائي من جهة، مع إبداء الدعم السياسي والمعنوي لقياديه من جهة أخرى. ويعكس هذا الموقف محاولة للموازنة بين مبدأ قرينة البراءة والدفاع عن أعضائه، دون الاصطدام المباشر مع السلطة القضائية.
مجمل هذه المواقف يكشف عن استراتيجية سياسية متعددة الأبعاد: اقتراب من هموم المواطنين الاجتماعية في المناطق المتضررة، تدخل في نقاشات مؤسساتية كبرى تخص العدالة، وحفاظ على التماسك الداخلي في مواجهة الملفات القضائية التي تطال بعض قياداته. وهي رسائل يبدو أن الحزب يسعى من خلالها إلى إعادة تثبيت حضوره في المشهد السياسي كفاعل معارض يتابع القضايا اليومية وينخرط في النقاشات الوطنية الكبرى.
وفي نهاية المطاف، تبقى فعالية هذه الدعوات رهينة بمدى تجاوب مختلف الأطراف معها. فالفيضانات تتطلب تدخلا ميدانيا عاجلا، وأزمة العدالة تحتاج إلى تنازلات متبادلة، والملفات القضائية تظل بيد المؤسسات المختصة. غير أن المؤكد أن المرحلة الراهنة تفرض على الجميع تغليب منطق المسؤولية والتعاون، لأن كلفة التعثر يدفعها المواطن أولا وأخيرا.
التعليقات مغلقة.