الانتفاضة/ محمد جرو
وفق ما أفادت به صحيفة “InfoBae”، المتخصصة في شؤون أمريكا الشمالية واللاتينية، فقد جرى التوقيع على مذكرة تفاهم بمقر القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” بمدينة “شتوتغارت” الألمانية، إذ يرتقب أن يشيد المركز بمدينة طانطان في الصحراء المغربية، على أن يدخل حيز الخدمة سنة 2030.
وجرى توقيع الاتفاقية بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، والتي بموجبها سيتم إنشاء المركز الإفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات المعروف ب”AMTEC”. وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى تعزيز تكوين العسكريين، وتطوير قدرات الطائرات المسيرة، وتسريع الابتكار في التقنيات الدفاعية على مستوى القارة الإفريقية.
وبحسب المصادر ذاتها، سيضم المركز ثلاث مكونات رئيسية، تتمثل في منطقة للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للطائرات المسيرة، ومركز للابتكار والتجريب، بهدف تطوير القدرات العسكرية وتعزيز التعاون التكنولوجي بين البلدين، مع توسيع جاهزية القوات الإفريقية لمواجهة التهديدات الأمنية.
وفي نفس السياق، نقل عن الجنرال محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، أن المغرب يتوفر على بنية تحتية متقدمة وكفاءات بشرية مؤهلة تتيح الانتقال السريع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، مضيفا أن هذه المقومات تجعل من المملكة شريكا موثوقا للصناعات الدفاعية المغربية والأمريكية.

من جهتها، أكدت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم”، أن الهدف من هذا المشروع يتمثل في تحويل الاستثمارات في مجال الابتكار العسكري إلى قدرات عملياتية قابلة للتطبيق على نطاق واسع في مختلف أنحاء القارة الإفريقية.
وبحسب ذات الصحيفة “InfoBae”، ستخصص منطقة التدريب متعدد المجالات لإعداد القوات العسكرية على العمل في بيئات عملياتية معقدة، تشمل ظروف التشويش الإلكتروني والسيناريوهات القتالية المختلفة، من خلال تمارين ميدانية ومحاكاة متقدمة تساعد على تطوير التكتيكات وتعزيز الجاهزية، فيما ستتولى أكاديمية الطائرات المسيرة تكوين مشغلين ومخططين ومدربين من المغرب ومن بلدان أفريقية أخرى، مع التركيز على توظيف الأنظمة الجوية غير المأهولة في مكافحة الإرهاب.
وسيشمل برنامجها التدريبي دمج الطائرات المسيّرة في عمليات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات وتنسيق المجال الجوي، بما يعزز القدرات الدفاعية للقوات المشاركة.
كما سيتولى مركز الابتكار والتجريب تسريع تطوير واختبار القدرات العسكرية الجديدة، مع إعطاء الأولوية للتقنيات منخفضة التكلفة والقابلة للتوظيف الفوري في عمليات الأمن الإقليمي. وسيعمل على إشراك الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في تصميم واختبار حلول تكنولوجية متقدمة، بمساهمة فرق متعددة التخصصات.
وتتضمن المبادرة أيضا إشراك القطاع الصناعي في اختبار أنظمة الاتصال اللاسلكية وتقنيات الرصد والاستشعار، فيما سيشكل تمرين “الأسد الإفريقي 2027″، الذي سيحتضنه المغرب، بمختلف المدن، ومنها رأس درعة، ضواحي الطنطان، منصة عملية لتجريب هذه الابتكارات، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية ضمن العمليات العسكرية المشتركة.
يذكر أنه بالتزامن مع انطلاق أولى المناورات العسكرية المشتركة بين القوات المسلحة الملكية المغربية والجيش الأمريكي، خلال سنتي 2006 و2007، كانت الولايات المتحدة تدرس إمكانية إنشاء مقر لقيادة «أفريكوم» بإفريقيا، وعرضت الفكرة على كل من ليبيريا والسنغال والمغرب، غير أن الدول الثلاث رفضت المقترح لدواعٍ سياسية واستراتيجية ومالية.
وفي هذا السياق، وخلال ندوة صحفية نظمتها السفارة الأمريكية بمدرسة عين الرحمة بمدينة طانطان، على هامش الأنشطة الاجتماعية الموازية للمناورات، والتي شملت بناء خمسة أقسام دراسية وتنظيم قافلة طبية ضمن برنامج Public Affairs، نفى مسؤول أمريكي وجود أي مشروع لإقامة قاعدة عسكرية أمريكية بالمغرب، مؤكداً أن مثل هذا القرار لا يمكن أن يتم إلا بتوافق بين المغرب والولايات المتحدة، ووفق الأطر القانونية والاتفاقيات المنظمة للعلاقات بين البلدين.
فالموقف المغربي الرسمي ثابت منذ 1956:
– المغرب رافض مبدأ “القواعد الأجنبية الدائمة” من أيام الملك الراحل محمد الخامس.
– دستور 2011 يمنع تواجد قوات أجنبية دائمة إلا بمعاهدة مصادق عليها باستفتاء.
وحتى في ذروة الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، خلال سنتي 2021 و2022 على خلفية قضية الصحراء، لم يطرح المغرب مطلقا فكرة منح الولايات المتحدة قاعدة عسكرية مقابل الحصول على دعمها.
وفي المقابل، كانت إسبانيا تتوجس من احتمال أن يقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على “معاقبتها” بسبب موقف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الرافض للحرب، وانتقاده الدعم الأمريكي والإسرائيلي في المواجهة مع إيران. غير أن هذا السيناريو كان يفتقر إلى الواقعية، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تعتمد على قاعدتين عسكريتين استراتيجيتين في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية (Rota) وقاعدة مورون الجوية (Morón)، اللتان تخضعان لاتفاقيات دفاع مشترك أقرها البرلمان الإسباني وحلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ عام 1953. كما أن نقل هاتين القاعدتين إلى المغرب ليس قرارًا يمكن اتخاذه كرد فعل سياسي أو إجراء عقابي، بل يتطلب إلغاء اتفاقيات دولية نافذة، والحصول على موافقة الكونغرس الأمريكي، إلى جانب تبرير الخطوة داخل حلف الناتو، وهو مسار قانوني وسياسي معقد لا يمكن حسمه بين عشية وضحاها.
استثمرت الولايات المتحدة مليارات الدولارات في تحديث قاعدة روتا الإسبانية، بهدف تهيئتها لاستقبال المدمرات الأربع التابعة لمنظومة الدرع الصاروخي، وهو استثمار استراتيجي كبير يجعل التخلي عن هذه المنشآت أو نقلها أمرًا بالغ الصعوبة.
أما من الجانب المغربي، فيرى مراقبون أن منح الحليف الأمريكي قواعد عسكرية دائمة، سواء في رأس درعة، حيث تجرى أجزاء من مناورات “الأسد الإفريقي” وقد يحتضن الموقع مستقبلا مركزا مرتبطا بهذه الأنشطة، أو في منطقة القصر الصغير، قد يؤدي إلى تصعيد التوتر مع دول الجوار، خصوصا إسبانيا والجزائر.
لذلك يفضل المغرب، وفق هذا الطرح، الاكتفاء بتعزيز شراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لا سيما عبر الدعم المتبادل في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية.
ويأتي القرار رقم 2797 في هذا السياق باعتباره أحد مظاهر العلاقات المتنامية بين الرباط وواشنطن، إلى جانب أبعاد اقتصادية وسياسية أخرى تعكس خصوصية الشراكة بين البلدين، باعتبار المغرب أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة قبل نحو 250 عامًا. ويبقى السؤال المطروح: هل يمثل إنشاء هذا المركز بمدينة طانطان بديلا عن فكرة منح قواعد عسكرية، أم أنه يندرج ضمن مسار مختلف من التعاون الاستراتيجي بين البلدين؟